كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الأحد، 30 سبتمبر، 2012

المايسترو – ج2


ما هي الآلات التي يجب على المايسترو أن يتقنها؟

لا يوجد هناك أي قانون يحكم المايسترو من أن يجيد آلات معينة، ما يجب على المايسترو أن يعرفه بشكل جيد هو العزف على البيانو لأنه عليه أن يقرأ نوتة المايسترو أو ما تسمى بارتيتورا (Maestro Score or Paritor) والتي تكتب فيها كل آلات الأوركسترا، فحينما يريد المايسترو التعرف ودراسة بعض الأماكن عليه أن يعزفها على البيانو، هنا علي أن أقول ليس من واجب المايسترو أن يكون عازف بيانو ماهر أو لامع (وإن كان بعض قائدي الأوركسترات هم أصلا عازفي بيانو لامعين وشهيرين)، أما بالنسبة للآلات الأخرى فذلك يعود لخلفية المايسترو، فيوجد بعض المايستروات أصلا كانوا عازفين كمان أو شيللو أو فيولا أو عازفين لإحدى آلات النفخ الخشبية أو النحاسية أو حتى الإيقاعية، لكن يجب على المايسترو أن يعرف إمكانيات كل الآلات الموسيقية، تماما مثل المؤلف الموسيقي ومن هنا نعرف السبب في أن الكثيرين من المؤلفين الكبار هم أصلا مايستروات للأوركسترا مثل دفورجاك وماهلر وغيرهم الكثيرين.

لو تخصص المايسترو بآلة معينة كأن تكون آلة الكمان، هذه الآلة تتطلب تمرينا يوميا لا يقل عن ثمان ساعات أو أكثر وفي نفس الوقت فإن المايسترو سوف يقود الأوركسترا لفترة تقترب ربما من هذه الفترة أو تزيد فمتى إذاً سوف يتمكن من التمرين على الآلة الثانية؟ لذا تجد أن المايسترو عادة ما يهبط مستواه في آلته الأساسية بشكل ملحوظ جدا بسبب تركيزه على القيادة لكن مع ذلك نجد أحيانا كبار العازفين يقودون أوركسترات مثل بيرلمان ومثل هذا الفيديو الذي يقود الأوركسترا أحد أشهر عازفي البيانو وهو في نفس الوقت أحد أشهر المايستروات، ونلاحظ أنه يعزف مع أشهر عازفي كمان وشيللو في العالم.



هل على المايسترو أن يتدرب على العمل الذي سوف يقوده؟
هنا علي أن أنوه إلى أن المايسترو عليه أن يحضر ويدرس النوتة مثلما يفعل العازف تماما بل أكثر وخصوصا حينما يقود عملا صعبا يحتاج لمجهود كبير منه للسيطرة على كل دقائق وتفاصيل الأمور ومنه يستطيع السيطرة سيطرة تامة على الأوركسترا وإلا أصبح العمل مهلهلا، فعلى المايسترو أن ينفذ كل التفصيلات الدقيقة التي كتبها المؤلف في النوتة الموسيقية، وإن كان هناك عازفا أو أو مجموعة لم ينفذوا شيئا مما كتبه المؤلف فعليه أيضا أن ينبههم ويشرح لهم ما يريد.

كيف تطورت أهمية وجود المايسترو؟
كان الألمان سابقا يطلقون كلمة Tacktschlager, means Time Beater أو مؤشر الوقت على المايسترو، حيث لم يكن دوره مهما في الماضي بل كان مقتصرا على إعطاء الوقت فقط، هذا الكلام في الموسيقى القديمة حيث لا وجود لتفصيلات كثيرة في الموسيقى مثل يومنا هذا (ربما أغلب الموسيقيين اليوم لم يسمعوا بهذه التسمية، حتى الألمان أنفسهم) وتوجد قصص طريفة ومضحكة جدا حول هذا الموضوع، منها أن هناك من كان يقود الأوركسترا بأن يضرب بقدمه على الأرض، وآخر يقود الأوركسترا بأن يضرب العصا التي تساعده في المشي على الأرض، أو أن يربط منديله إلى عصا ويؤشر بها، وقد اعتاد المؤلف الفرنسي لوللي (1632 – 1687) في لحظات جنونية أن يكسر كمانات حينما يحصل خطأ كبير، وذات مرة رمى المؤلف الشهير هاندل (1685 – 1759) آلة التيمباني على أحد العازفين "يبدو أنه كان تيمباني صغير أو أن هاندل كان مفتول العضلات!" وغيرها من مثل هذه الطرائف، لكن بعد ذلك ومع تطور وزيادة تعقيد التأليف الموسيقي أصبح للمايسترو دورا هاما جدا لا يمكن الاستغناء عنه.

ما هي واجبات المايسترو؟

واجبات المايسترو كما ذكرت هو مسك دفة القيادة،
لكل يد من يدي المايسترو واجب حيث تكون اليد اليمنى للمايسترو مخصصة لإعطاء الإيقاع واليد اليسرى مخصصة للتعبير الموسيقي، لكن أحيانا تشترك اليدان في شيء واحد.
المايسترو هو الذي يقرر السرعة للأوركسترا فيبدأ بسرعة معينة وفي أماكن معينة ممكن أن يبطئ أو يسرع قليلا عن السرعة الأصلية، هذا في حالة أن التسريع أو التبطيء مكتوب على النوتة لكن توجد حالات كثيرة جدا لا تكتب فيها مصطلحات التسريع والتبطيء وهذا هو متروك للمايسترو لأن يقرر ذلك، في البروفات ممكن أن يوقف المايسترو العزف في حالة أن بعض العازفين لم ينتبهوا ليده وإلى أنه غير السرعة لكي ينبههم إلى ذلك، غالبا ما يحدث ذلك بدون حديث كثير من المايسترو فالمايسترو الممتاز هو من يتكلم بيديه، وكل التفصيلات المكتوب على النوتة تستيطع أن تفهمها من خلال حركات المايسترو، كذلك الحال بالنسبة للتعبير الموسيقي وأقصد بالتعبير الموسيقي هو أشياء كثيرة مثل خفوت الصوت وقوته وتغيير شدة الصوت من الضعيف للقوي ما يسمى كريشيندو أو العكس وهو ما يسمى ديمنيويندو أو ديكريشيندو وأشياء كثيرة أخرى، كل هذا يفترض أنه مكتوب في النوتة لكن توجد أشياء لا تكتب في النوتة ويود المايسترو أن يضيفها من عنده، طبعا ذلك بحسب الفهم الواسع للمايسترو، وهذا هو الفارق بين المايسترو الممتاز والمايسترو من الدرجة الرابعة أو السادسة أو غير ذلك، فالمايسترو الممتاز عادة يفهم تفاصيل العمل وتفاصيل ما يقصده المؤلف في هذا العمل وفي هذا المكان بالذات.

في العصور السابقة مثلا في العصر الكلاسيكي جرت العادة أن يكتب المؤلف علامات التعبير الموسيقي مثل شدة الصوت (Forte) أو خفوت الصوت (Piano) بشكل موحد لجميع الآلات فمثلا في مكان معين يكتب المؤلف الموسيقي علامة F والتي ترمز إلى شدة الصوت، يكتبها بشكل متساوي لجميع الآلات وبغض النظر عن أهمية إبراز هذه الآلات لدى السامع، وهنا يأتي دور المايسترو لكي يبرز الآلات الأهم وذلك بإشارة منه إلى تلك الآلة أو الآلات لتبرز أكثر من غيرها. لو أخذنا مثلا موسيقى موتسارت والتي هي موسيقى مسائية صغيرة الشهيرة جدا (Eine kleine Nachtmusik)    (حلم ليلة صيف) نلاحظ على سبيل المثال في البار الحادي عشر يعزف الكمانات الأول والثاني لحنا ناعما، يليه مباشرة في البار التالي محاكاة لنفس اللحن يعزف من قبل آلات الفيولا والشيللو والكونتراباص، في حالة أن المايسترو لم يكن مسيطرا تماما على الأوركسترا أو فاهما تماما لما هو مكتوب لما أمكن سماع هذه المحاكاة لكن لو كان المايسترو جيدا فمن واجبه إبراز هذه المحاكاة وإلا لماذا كتبها موتسارت؟
هذه هي موسيقى مسائية صغيرة لموتسارت، أرجو الانتباه إلى كيف أن المايسترو قد اهتم بذلك وفي المرة الثانية فهو يعطي إشارة صغيرة جدا للشيللو ليبرز أكثر.


لاحظ أن المايسترو في الإعادة للمرة الثانية لم يكن موفقا في أن تعزف الأوركسترا كلها في نفس الوقت حيث حصل تفاوت في دخول الآلات، وهذا سببه المايسترو وأيضا عازفة الكمان الأول التي سبقت المايسترو بقليل وأنا أعزي ذلك إلى أن إشارة المايسترو لم تكن واضحة بما يكفي.

والآن لنستمع لنفس العمل لكن بقيادة كارايان، سوف نلاحظ فروقات كبيرة جدا، منها المكان الذي ذكرته وهو المحاكاة لم تكن كل الآلات واضحة في التسجيل الأول فقد كان صوت الشيللو هو الغالب بينما في تسجيل كارايان سوف نسمع كل الآلات بوضوح شديد، وأرجو أيضا ملاحظة الفارق بين التسجيلين حين الإعادة من البداية، أعتذر لأنني لم أجد تسجيلا حيا لكارايان.


بعد ذلك أي في ما بعد عصر الكلاسيكي بدأ المؤلفين الموسيقيين يكتبون تعبيرات مختلفة مثلا ممكن أن يكتب للوتريات علامة f  أي قوي بينما يكتب للآلات النفخ الخشبية على سبيل المثال ff أي قوي جدا وغير ذلك.

هناك شيء آخر مهم وهو أنه في ما قبل عصر بيتهوفن وبالتحديد ما قبل الفترة الثانية من حياته لم يكن هناك شيء اسمه مترونوم حيث أن جهاز المترونوم اخترع في حياة بيتهوفن لذا تجد أن الأعمال المكتوبة من قبل المؤلفين الكلاسيكيين والباروك مثل موتسارت وباخ لا يكتبون علامة المترونوم بل يكتفون بكتابة السرعة حيث تكتب أسماء السرع مثل سريع أو سريع جدا أو متوسط السرعة وغيرها، هنا على المايسترو تحديد السرعة المطلوبة وذلك بحسب مفهومه للمؤلف وللعصر، حتى بعد اختراع المترونوم استمر الكثير من المؤلفين على عدم كتابة المترونوم مكتفين بكتابة مصطلحات السرعة. وأحيانا نجد مترونوم مكتوب على نوتة لعمل لمؤلف من ما قبل عصر المترونوم مثل هايدن، هذا المترونوم ليس أصليا أي أنه لم يكتب من قبل هايدن، لسبب بسيط وهو أن المترونوم لم يكن قد اخترع بعد، حتى بعض الأعمال التي ألفت بعد اختراع المترونوم يكتب أحيانا فيها مترونوم لم يكن قد كتب بواسطة المؤلف الأصلي بل تمت كتابته من قبل الناشر.

الآن لنشاهد هذا الفيديو وسوف نلاحظ أن أغلب العازفين ينظرون للمايسترو في أماكن معينة كثيرة جدا، هذه هي الحركة الأولى من السيمفونية الثانية لماهلر والقائد هو أحد أعظم مايستروات العصر ليونارد بيرنشتاين يقود أوركسترا لندن السيمفونية، لنلاحظ على سبيل المثال بعد دخول الكمانات يأتي دول الشيللو الهام جدا، لنتخيل لولا وجود المايسترو الذي يعطيهم إشارة البدء ماذا سيحصل؟ طبعا سوف تحصل مصيبة "موسيقية"، نلاحظ أيضا في مؤشر الوقت 2:04 يوجد دخول لآلات الباسسون وكونترباسسون أو الفاجوت وكونترفاجوت ليصاحب الشيللو بثلاث نوتات ويسكت، لاحظ كم أن دخول الباسسون كان واضحا، هذه هي إحدى واجبات المايسترو أن يظهر الآلات الهامة وإلا لماذا كتب ماهلر هذه النوتات الثلاثة؟


من واجبات المايسترو الأخرى هي، ليس كل عازفي الأوركسترا يعزفون باستمرار من الأول للأخير بدون أي سكوت حيث يتخلل العزف لكل الآلات تقريبا سكتة أو سكتات موسيقية، فمثلا لو كان لآلة الفلوت سكتة طولها 30 أو 50 بار، ربما أخطأ العازف في حساب هذه البارات وهنا يأتي دور المايسترو أيضا في أن يعطي إشارة الدخول للآلة التي كانت ساكتة لفترة طويلة "وإن كان معظم الناشرين يكتبون عدة بارات لآلة تعزف وبخط صغير قبل دخول الآلة التي لها سكتة طويلة ليقلل من حدوث أخطاء". وأرجو أيضا ملاحظة المايسترو في الفيديو أعلاه حينما يدخل الباسسون لأن لديهم سكتة طويلة في الدقيقة 2:04 علما أن هذه الآلات الثلاثة كانت قد دخلت في 1:46 لكن السكتة كانت طويلة نسبيا

هناك شيء آخر، أغلب المؤلفين الموسيقيين يرتكبون خطأ حينما يكتبون كريشيندو يليه ديمنيويندو (إرتفاع وانخفاض في شدة الصوت) وهو أنهم غالبا ما لا يكتبون إلى أي مدى تصل شدة الصوت، لأن هناك الكثير من مستويات قوة الصوت وهي الضعيف جدا pp  ثم ضعيف p متوسط الضعف mp ومتوسط القوة mf وقوي f  وقوي جدا ff   و fff و ffff فغالبا ما لا يكتب المؤلف الموسيقي إلى أي مستوى يجب أن يصل هذا الكريشيندو! هنا أيضا يأتي دور المايسترو لكي يقرر ذلك.

في صالات العرض نحن نسمع النتيجة النهائية حيث انهم في البروفات قد أتقنوا كل شيء.
هنا تحظرني طرفة على أن المايسترو يتكلم بيديه:
ذات مرة وحينما كنت عازفا في الفرقة السيمفوينة الوطنية (الأوركسترا السيمفوني العراقي) وكان الكلام في نهايات السبعينات أي بعد تخرجي من كونسيرفتوار القاهرة، كنت أجلس في المقعد الثاني في مجموعة الكمان الأول، كان يجلس في المقعد الأول على اليمين الكونسيرتماستر وهو روسي وإلى خلفه نجلس أنا وعازف آخر وهو روسي أيضا وهو أكثر تمكنا من الكونسيرتماستر، ذات مرة غاب المايسترو عن إحدى البروفات بسبب مرضه، فكان على الكونسيرتماستر أن يقود الأوركسترا بدلا من المايسترو، كان الكونسيرتماستر عازفا متمكنا جدا لكنه ليس مايسترو، في أثناء البروفة كان يوقفنا بين الحين والآخر ويبدأ في كلام وشرح طويل جدا، استاء زميلي الروسي الذي يجلس إلى جانبي وقال لي ساخراً:
المايسترو لا يتكلم كثيرا بلسانه فهو يتكلم بيديه. كلام زميلي أثار ضحكي حينها وهو كلام حقيقي فالمايسترو لا يحتاج لأن يوقف الأوركسترا لكي يقول لهم هنا العزف قوي أو ضعيف أو هنا تسريع أو تبطيء أو افعلوا كذا وكذا، لأن يديه من تقول ذلك فالمايسترو المحترف لا يقول هنا يجب أن نسرع قليلا وهنا العرف قوي أو غير ذلك، المايسترو يفعل ذلك بيديه ويشد الأوركسترا بدييه مثلما يفعل روبنشتاين في الفيديو أعلاه.
مع تحيات أحمد الجوادي

الخميس، 13 سبتمبر، 2012

سماعي النوا أثر لجميل عويس: سبيكة باهرة من حامض و حلوٍ

جميل عويس، استاذ في العزف على الكمنجة و التدوين الموسيقي، من المخضرمين الذين عاشوا بين حلب ومصر ورأوا الموسيقى في نهضتها، اشتغلوا مع الأصوات العظيمة والعباقرة المجددين، وفي زمن بواكير الموسيقى الآلية العربية، عزف وألف و دوّن وعلّم وكان له جهد و مجد عال(1).


 و مقام النوا أثر مقام فيه غرابة مقام يستلهم الغرابة من الحجاز الذي فيه، لكنه يزيد منها بمسافة كاملة من الراست إلى الدوكاه ثم يلي ذلك حجاز.  و حسب الاستاذ الكبير سامي الشوا، فإن النواأثر يبدأ من  النوا – صول - مروراً بمس صوت الحجاز – زخرفة – أي الفا مرفوعة – وذلك لنعمل نغمة حجاز على النوا، ثم نصعد بعمل نغمة نوا أثر إلى الكردان – الدو التي تلي وصولاً إلى جواب النوا وهو الصول الأعلى المسمى السهم. ثم بعد ذلك نهبط حتى نصل إلى قرار النوا أثر وهو صوت الراست – الدو أسفل من النوا.   يتكون مقام النوا أثر من  عقد نوا أثر – راست متبوعا بحجاز – ثم  من جنس حجاز على النوا. يلي ذلك جواب من نوا أثر على الكردان – الدو العالية جواب الراست الادنى السابق الذكر – صعودا إلى جوا ب النوا وهو السهم ثم الهبوط الى الراست(2).

مع مقام غرائبي كهذا، و مع جميل عويس، ومع قالب السماعي، أمتعنا بتأليف حامضٍ حلوٍ رائق هو سماعي نوا أثر للاستاذ جميل عويس، سماعي بارز يتقدم سماعيات النوا أثر التي ألّفها الموسيقيون.
لنستمع إليه أولاً ثم نطالع جماليات منه نستذوق ونستطعم ونعيد الاستماع.
سماعي جميل عويس بعزفه مع فرقته:

الآن، لنتحدث عن شكل هذه القطعة الموسيقية التي استمعنا إليها. هي من قالب السماعي، قالب تركي شاع في الموسيقى الشرقية وظهر منه مؤلفات في العالم العربي، تشبه مؤلفيها والأرض التي هم منها، في الجمل والثيمات والزخارف وطريقة العزف والأفكار، تتناسب وطاقاتهم الموسيقية. من أشهر السماعيات العربية سماعي حسيني إبراهيم العريان الذي ألفه في العشرينات من القرن العشرين، و هذا السماعي لجميل عويس. قالب السماعي، قالب مكون من أربع خانات وتسليم كما في الشكل التالي:

كل خانة من هذه الخانات إيقاعها سماعي ثقيل وهو إيقاع من عشر وحدات. كل هذه الخانات، الأولى والثانية والثالثة والتسليم إيقاعها جميعا هذا السماعي، عدا الخانة الرابعة التي يكون عادة إيقاعها راقص كما سنرى. حتى نستوعب هذا الإيقاع فلنتذكر موشح لما بدا يتثنى، فإيقاعه ذات الإيقاع و كذلك موشح ملا الكاسات الشهير. و لنلق نظرة على إيقاع السماعي مع بعض الأمثلة.

لكل سماعي فريد، حكاية يسردها، حكاية موسيقية، كقصيدة منضدة الكلمات، ذات معان كبرى، كصرح دقيق البناء مهيب يشابه بعضه بعضاً، يتناظر ويتخالف ويتمايز ويتشابه. دعونا نستكشف سماعي جميل عويس لنرى شيئاً من ذلك.

ولأن جميل عويس بارع في معرفة المقامات ضليع في صناعة عملها، يعرف مواطن الوجع والألم والحلاوة والمرارة والشموخ والتواضع، تراه يبدأ من حيث يبدأ العارفون. هكذا نراه يبدأ سماعيه في الخانة الاولى بزخرفة تبدأ قبل صوت الحجاز، من الكوردي – المي بيمول – صعوداً، ملامساً صوت الحجاز ليصنع حجازاً على النوا. تماماً كما وصّف السير الاستاذ سامي الشوا.

يلعب الاستاذ جميل عويس لعبة السؤال والجواب، لعبة تناظر بينهما متكامل. يبدأ الجملة الاولى من زخرفته صعودا ليتوقف على النوا. ثم يواصل بزخرفة أخرى من الكردي ذاته في سلم صاعد إلى الماهور – السي العادية – ثم ينزل في جملته المتناظرة حتى يقف على الدوكاه، الري العادية. يتبع ذلك بجملة متصلة في مازورتين تصاعداً بطيئاً يليه نزول سريع فتصاعد سريع ونزول سريع مستقراً على قرار النوا أثر – الرست، وهو يعمل كل ذلك في صيغة صعود نزول متناظر في كل الخانة ست مرات. اسمعوا مرة أخرى هذه الخانة. جملة صاعدة، تليها جملة نازلة، ثم جملة طويلة فيها صعود ونزول فصعود ونزول كله مختوماً بجملة كلها عنفوان وجموح غرائبي مدهش. تخيلوا كيف قطع الأبيات بلحظات التطويل في الأصوات كحروف المد تفصل بين عباراته الموسيقية في شكل متتاظر آخاذ، ختمها ببيت متواصل صدره وعجزه مختوم بقفلة موسيقية رائعة مستقراً على استقرار المقام.

ثم يلي ذلك التسليم. التسليم يتكرر – كالقدر المحتوم – بعد كل خانة من هذه الخانات كما سنرى، ولأنه يتكرر، فعلى المؤلف أن يقدم فيه عصارة فكره وذوقه بحيث لا يسبب سأماً ولا تنافراً مع تطور الفكرة في قصيدته الموسيقية هذه. وهنا، يبدع جميل عويس في خانة التسليم أيما إبداع، في الذوق والتناسق يجعلك تنتظر التسليم الذي سيأتي في وقته كألذ ما يكون. في التسليم، خلاف الخانات كلها، يستخدم فيه وقفة صمت تامة، طويلة، بعد الضربة الأولى من كل من عبارتيه الأولى والثانية. التسليم يبدؤه على جواب الرست، الكردان، هكذا، تناظرا مع الجواب – الرست – الذي بدأ به خانته الأولى. سنستمتع بهذا التمايز. إذن، نبدأ التسليم، بضربة على الكردان، فصمت، فعبارة تطور فكرة الضربة، فصمت، فنزول إلى الجواب. ثم عبارة ثانية، مع بدء المازورة الثانية من التسليم، ضربة على الصوت الذي يلي الكردان نزولا، في تتابع نازل إذن، الماهور، فصمت، فعبارة مطورة لفكرة الضربة الأولى الجديدة، متناظرة مع عبارة الفكرة التطويرية الأولى في التسليم، فصمت، فعبارة تنتهي صعودا واستقرارا على النوا، أعلى من استقرار اختها التي استقرت على الراست قبل قليل، ثم يكمل المازورتين الأخيرتين من هذا التسليم بدأ من الرست على شكل جملتين قفلت كل منهما على الرست كتأكيد في جمل منمّطة بثيمة سيدتها الصوت المنقوط – أطول من النوتات المستخدمة المكررة في كل الجملة. هكذا قفلة وراء قفلة مؤكدة المعنى الكبير الذي حمله التسليم.

الخانة الثانية، بعد هذا التسليم الشيق، ستبدل الجو قليلاً ابعاداً للجو الذي نكاد نكون ألفناه بعد الخانة الأولى والتسليم. تبدأ الخانة الثانية بصوت أخفض من التسليم، بصوت واحد، هو النيم ماهور، بعد أن بدأ التسليم كما نذكر، بنغمة الراست متبوعة بصمت!. إذن نبدأ أخفض بصوت واحد. و في جو النوا أثر، وفي نفس الصيغة، عبارة المازورة الاولى تنتهي على الراست، تليها عبارة مناظرة تنتهي على النوا، تماماً كما فعل سابقا أعلاه كما يصنع المنهدسون يصنعون كل شئ محسوباً المكان والتكرار وبالمقاسات. لكنه لإخراجنا من الجو، يبدأ من هذا النوا بتكرار الصوت الذي عهدنا للتو، ويقفز إلى جواب الدوكاه – المحيّر – هكذا ليفاجئنا بلمسة رومنسية جذلة – نغمة النهاوند – يطوّل فيها على هذا المحير وينزل متسارعا للنوا، بلا غرائبية، ثم يلي ذلك بالرجوع لجو النوا أثر الغرائبي ويستقر على الراست. ثم يسلّم وحسن أن يأتي ذلك التسليم الذي أحببنا الآن بالذات فنحن في الجو والوقت المناسب لنسلّم.

ثم تأتي الخانة الثالثة، لتكمل معنى الخانة الثانية، شبيهتها في العمل. وهكذا ينزل في البدء جميل عويس من النوا ملاحقا متسارعا صوتا بعد صوت في جوه الجذل – نغمة النهاوند. يبدأ من النوا ويصل مطوّلا عند الفا الجواب، ثم ينزل مطوّلا عن المحير – الري جواب ليلمس النوا فيقفز جذلاً إلى الفا ذاتها فالصول جواب – السهم – وهكذا يتفنن في جمل عطرة عذبة مطولا على الكردان ثم مطولا ثم المحير ويتمايل بنا صعودا نزولاً داخلاً بسلاسة في أجواء النوا أثر قافلاً على الكردان. ثم يأتي التسليم الذي كمل الاحتياج إليه تماماً مع هذه الخانة في القفل ليبدأ من ذات صوت الكردان هذا ثم ياتي الصمت المبهر في التسليم كما نعرف؛ ونواصله فلنستمتع.

يلي ذلك الخانة الرابعة، مختلفة الإيقاع. هل سيتميز جميل عويس فيها أم ينهيها كيفها اتفق ويخرج إلى التسليم وانتهى السماعي. بالطبع لا، فجميل عويس استاذ ولم يفرط في خانة هامة كهذه فلنر ما فعل. هذه الخانة جاء فيها ايقاع ثلاثي دارج. وبعد أن سمعنا كل الجمال السابق، وصلنا لوقت حبذا لو أتحفنا فيها بذروة بهية تضاهي ما سبق. هو يأتي بذلك فعلاً. لكنه هنا يهندسها كالتالي. يقسم هذه الخانة إلى ثلاث جمل تتدرج في السرعة. الجملة الأولى تتركب سؤال وجواب. يبدأ السؤال من الراست ويختم على اليكاه. وترد عليه عبارة تبدأ من نفس مكان السؤال وتختتم على النوا، جواب اليكاه الأدنى في السؤال. يلي ذلك سؤال مكرر من الأول تماماً، يأتيه السؤال متسارعاً متساوي الأصوات في زمنها يختتم على الراست من الذي بدأت به هذه الخانة.

أما الفكرة الثانية في هذه الخانة، فهي في تصاعد درامي في أجواء النوا أثر الغرائبية متراقصا صعوداً ونزولاً وصعودا ونزولا وصعوداً ونزولاً ثم يأتي ختام الجملة. وعندما نكون مع جميل عويس هنا، نكون وصلنا لذروة الذروة، فتتراقص الموسيقى بسرعة أكثر من سابقتيها في الفكرة الثالثة في شكل ثلثيات أربع تقف على المحير طويلا ثم على النوا، ثم تعود في درجة أخفضل منها منها درجة وتقف طويلا على الكردان ثم على الجهاركاه، ثم يأتي الختام متباطئاً صعودا ونزولا وصعوداً و وقوفا على الجرح، الكردان، حيث يبدأ منه التسليم مباشرة لنختم هذه القصيدة بالمطلعِ.

هكذا، في فرادة في الجمل، وأصالة في النغم، وجديد في التركيب الدرامي وتنويع بين الحامض والحلو في تناظر مستمر سؤالاً وجواباً، صعوداً ونزولاً، سريعاً وبطيئاً، متصلاً ومنفصلاً، عال و منخفض، رغم قلة تنوع المقامات في هذا العمل، نجدنا قد خرجنا بلوحة من أجمل صور تراثنا العربي الموسيقي في النصف الاول القرن العشرين، في زمن بدأت فيه الموسيقى الآلية تأخذ مكانها في الاشكال التقليدية والجديدة وشرعنا في زخم من الانتاج الموسيقي الآلي.

في تسجيلات سماعي جميل عويس الشهير هذا، الذي عزفته الفرق العربية في مختلف الأزمان والأماكن، ترى اختلافات في الإعادات التي لا نجد لها أثراً في تسجيل جميل عويس نفسه، ونجد الإعادات في كل مكان بعد كل خانة وتسليم إضافة إلى الأفكار الثلاث، تتكرر كل واحدة منها على حدة داخل الخانة الرابعة كما في تسجيل فرقة الدكتور تيسير إلياس. ومهما اختلفت التسجيلات في الإمكانيات و حجم الفرق والتوزيع، ترى عظمة الجمل وبناء الفكرة وسيطرة المؤلف على شكل السماعي وتصميمه لجمله التي يلبسها الشكل و صيغة الإيقاع. هكذا وسط عدد هائل من قطع السماعي الشرقية، تجد هذا السماعي متميزاً متقدماً في سماعيات النوا أثر، يمتلك عليك الأسماع فتلح في استعادة الاستماع.

وقتا ممتعاً.
::. فاضل التركي
(1) يمكن قراءة شئ من سيرته وأعماله في مقالة صميم الشريف هنا أو هنا
(2) كتاب الاستاذ سامي الشوا: القواعد الموسيقية للموسيقى الشرقية والغربية.

الأربعاء، 12 سبتمبر، 2012

19. الموسيقى المعاصرة - الأغانى الهابطة


الموسيقى العربية المعاصرة - ظهور الأغانى الهابطة
بعد النكسة ظهر مطرب شعبى يقول كلمات غريبة على لحن يشبه رقص العوالم يقول السح الدح ، قاوم قدومه كثيرون لكنه انتشر فى النهاية ، ثم تبعه فرقة تقول العتبة جزاز وظهرت مطربة تغنى للطشت وأخرى تغنى للشوكولاتة وثالثة تغنى فوق السطوح وغيرهن ، استمرت هذه الموجة حتى آخر القرن العشرين وانتشرت أكثر فى القرن 21
ومما لا شك فيه أن انسحاب العديد من رواد الفن الجاد والراقى سواء بالتقدم فى السن أو الوفاة أو الاعتزال لأسباب صحية أو سياسية قد أسهم فى خلو الساحة للفن الهابط  ، ولابد من الإشارة هنا إلى أنه قد حدث خلط كبير بين الفن الشعبى والفن الهابط ، فالأول تعود جذوره إلى الفولكلور وإلى ما تملكه الطبقات الشعبية من مواد فنية متوارثة سواء فى المضمون أو الشكل أو أسلوب الأداء ، لكن الأغانى الهابطة والتى اعتمد كثير منها على أفراد ينتمون إلى الطبقات الأقل ثقافة والأقل وعيا بالضمير الوطنى العام تم تقديمها على أنها أغانى شعبية لمجرد أن مقدميها كانوا من العمال أو الحرفيين فى مفارقة تامة مع أفراد الطبقة الوسطى الذين قدموا فنونا أكثر رقيا فى فترات سابقة ، وبالتالى اختلف جمهورهم ، والجمهور الذى استمع إلى أحمد عدوية فى السح الدح لم يكن أبدا نفس الجمهور الذى استمع إلى عبد الحليم حافظ وهو يغنى أغانيه الرومانسية

لابد هنا من الإشارة إلى دخول عنصر جديد ساعد على انتشار الأغانى الهابطة لعدة عقود وهو ظهور وسائل تكنولوجية حديثة استطاع من خلالها منتجون جدد إنتاج ونشر ما يحلو لهم من الفن الهابط بعيدا عن سيطرة الرقابة الفنية وهى
  • أشرطة الكاسيت
  • أشرطة الفيديو كاسيت
  • الاسطوانات المدمجة
  • القنوات الفضائية الخاصة
صاحب انتشار هذه الوسائل استخدام المنتجين التجاريين للأفلام السينمائية المعلبة فيما أطلق عليه "أفلام العلب" ، وهى أفلام سينمائية رخيصة التكلفة زهيدة السعر جرى تعبئتها على شرائط فيديو كاسيت ، يحشر فيها أى شيء من شأنه التسلية وإضاعة الوقت ليس إلا ، وكان الهدف الأكبر بيعها للجمهور الذى لا يتمتع فى مكانه بمشاهدة السينما لعدم وجود دور عرض سينمائى وخاصة فى المناطق الريفية وبلاد الخليج العربى ، وبهذا سيطرت الأفلام التجارية على سوق الفيديو المنزلى المتاح لكل شخص تقريبا فإن لم يكن فى منزله ففى نوادى الفيديو التى كانت أيضا تؤجر الشرائط للجمهور للاستخدام المنزلى ، أو على المقاهى الشعبية أو حتى فى حافلات نقل الركاب أثناء رحلات السفر الطويلة

استفاد من هذا التطور التكنولوجى النوعى عدد كبير من المطربين وبالمطربات الذين لم تكن أحلامهم تتعدى إحياء الأفراح والليالى الملاح ، ومعهم جيش من "الآلاتية" العازفين والملحنين المرتزقة الذين لا يهمهم تقديم رسالة راقية أو حتى أى شكل جميل من أشكال الفن

أدى كل هذا إلى ظهور طبقة جديدة من الفنانين ذات نفوذ قوى ناتج عن امتلاك ثروات مالية ضخمة استخدموها جيدا فى سبيل السيطرة على نوافذ ومداخل ومخارج الفن فى مصر والوطن العربى بشراء المخرجين والمصورين وكتاب السيناريو ومقدمى البرامج والمذيعين والصحفيين إلى آخر القائمة من الإعلاميين الذين تم استدراجهم إلى دائرة الفساد والهبوط إلى درجة أن أصبح المال شغلهم الشغال وشرطهم الوحيد لتمرير أى عمل فنى بصرف النظر عن مستواه ، ثم عمل هؤلاء بالتدريج على تحويل المؤسسات التى يعملون ، حتى الرسمية منها ، بها إلى دكاكين خاصة للتربح

لابد أيضا من الإشارة إلى أن كل هذه التحولات لم تكن لتعمل فى ظل الاقتصاد الموجه والإعلام الموجه الذى انقضت موجته مع عصر الانفتاح فى السبعينات حيث حلت سياسة " دعه يعمل .. دعه يمر" محل سياسة الضبط المركزى والانضباط العام ، وكانت سياسة الانفتاح الاقتصادى غير المنضبط هى السقف الكبير الذى ترعرعت تحته هذه العشوائيات والانفلاتات ، فقد تحول الانفتاح الاقتصادى إلى حرية عشوائية فى كل شيء يستخدمها كل من هب ودب حسب هواه الخاص

ظهرت فى تلك الفترة طبقة جديدة من الرأسمالية الانتهازية التى جندت فئات عديدة من المجتمع لحسابها ، كانت تضارب فى العملة وتغش فى المبانى وتتاجر بالغذاء الفاسد والأدوية المغشوشة فما بالنا بالفنون

ماذا كان رد فعل المجتمع أمام هذه التحولات؟

كأى تحولات مجتمعية ظهر فى تلك الحقبة فئات مستفيدة وفئات مشجعة وفئات من الضحايا تم استضعافها أو استغلالها

ارتفعت أسهم التجار والحرفيين مع ازدياد نشاط القطاع الخاص بينما هبطت أسهم الكتاب والمثقفين ، وزاد نشاط النوادى الليلية وعلب الليل والمسرح التجارى بينما ضعف نشاط الإنتاج الفنى الجاد حتى أن التليفزيون الرسمى المصرى لجأ إلى إنتاج الأفلام السينمائية باسم أفلام التليفزيون فى محاولة لكسر احتكار السينما الهابطة دون أى عائد مادى يذكر

أصبحت دور السينما لا يرتادها غير السوقة من أصحاب الحرف وصغار التجار التى تكسب كثيرا فى ظل الانقلاب الاقتصادى وأصبح هذا الجمهور هو الذى يحقق الإيرادات وهو الذى يستخدمه المنتجون لتمرير شعار "الجمهور عاوز كده"

لكن الحق أن الجمهور لم يعد هو نفس الجمهور ولا يمكن بحال أن نتهم المجتمع كله بالانحراف أو حتى تغير المزاج ، وإذا كان قد حصل بالفعل تغير فى مزاج غالبية الجمهور فقد كان ذلك بعزوف الأغلبية عن ارتياد دور السينما والمسرح وعن الاستماع إلى الأغانى الهابطة ، وربما أجبرهم أكثر على هذا العزوف ازدياد أسعار المنتجات الفنية فى معظم صورها ، فقد ارتفعت أسعار تذاكر السينما والمسرح إلى أضعاف كثيرة وارتفعت أسعار الكتب والاسطوانات والشرائط إلى حدود مانعة على الأغلبية الساحقة

لكن هناك فئة جديدة أيضا دخلت إلى الساحة الفنية وساعدت كثيرا فى تمويل الاتجاهات الجديدة وهى المستخدم الخليجى ، سواء فى مكانه أو كسائح يبحث عن التسلية والمتعة فى أى شكل ، وسواء بسبب خلو تلك البلاد من وسائل الترفيه أو بسبب وقت الفراغ الطويل الذى يعيش فيه المواطن الخليجى المرفه ماديا وغير المنشغل بأعباء العمل أو البحث عن عمل. لا نقول أن الفن يجب أن يخلو من التسلية والمتعة ولكن ما يقدم كان تسلية رخيصة لا تعبأ كثيرا بقيم أو أخلاق أو حتى مجرد الحياء أحيانا فضلا عن أى قيمة ذات محتوى فنى راق

من ناحية أخرى يقول بعض المنتجين أن الذى أصبح يتحكم فى سوق السينما هو الموزع وليس المنتج أو المخرج ، ويفسرون ذلك بأن الموزع للبلاد العربية هو الذى كان يختار أسماء الممثلين والممثلات والمطربين والمطربات الذين يطلبهم جمهور الخليج بالذات كأكبر مستهلك لسوق الفيديو كاسيت ، وكنت الأسماء المطلوبة هى الفيصل فى قبول توزيع أو شراء المنتج ، بل كانت بعض شركات التوزيع تمول مقدما إنتاج الأفلام بناء على احتوائها لتلك القوائم بصرف النظر عن المضمون أو المحتوى الدرامى

وكان بعض المطربين فى النوادى الليلية يقدمون عروضهم فى أكثر من ملهى فى نفس الليلة يعلن عنها فى الصحف الرسمية بصفة يومية ، ومنهم من كان يقدم تسعة أو عشرة عروض فى الليلة الواحدة يتقاضى عنها ألوف الجنيهات ، وكان من السهل والأمر كذلك أن يضع المطرب بعضا من هذه الألوف فى يد أحدهم فى التليفزيون أو الإذاعة فى الصباح التالى لاستضافته أو تقديم أعماله أو " تلميعه " بأى شكل

استمرت تلك المتواليات الهابطة لفترة طويلة من الزمان تعدت الأربعة عقود ولا زال الفن والمجتمع يعانى من آثارها للآن ، وأعتقد أن من أهم تلك الآثار صعود تيار مهاجمة الفنون المطالبة بمنعها تماما باعتبارها حرام شرعا مع تجاهل أن الفن مجرد وعاء يمكن أن يحتوى النظيف وغير النظيف ، واعتبار أن العمل بالفن سبة وعار يجب التخلص منه .. هكذا وصل بنا الحال بعد أن كان الفن رائدا وقائدا لحركة المجتمع ..

وربما لهذا السبب نحن نعرض أسباب تخلف الفنون والذى هو مجرد عرض لمرض هو تخلف المجتمع نفسه تعليميا وثقافيا وماديا وحضاريا بشكل عام بسبب انشغال القيادات الأعلى عن شعوبها وفشلها فى تحقيق النمو والتقدم الحضارى الذى ترحب به الشعوب وتتطلع إليه

ولكن أليس هناك أمل فى عودة الفنون إلى دورها الطليعى والطبيعى فى حياة الشعوب؟ .. الإجابة نعم .. والدليل هو أن النهضة الفنية التى بدأت فى أوائل القرن العشرين دبت فيها الحياة فى أحلك ما يمكن من الظروف السياسية والاجتماعية .. حكم جائر مستبد ، احتلال أجنبى ، فقر مدقع للغالبية العظمى ، جهل متفش بين جموع الشعب .. قمع هائل للحركات المجتمعية الحرة .. لكن كل هذا لم يمنع الفنون من التطور والنمو والازدهار ، بل كانت تلك الظروف القهرية هى التى ولدت الحركة الفنية المستنيرة فى تلك الفترة ، ثم ازدهرت الفنون أكثر فأكثر عندما زالت تلك الظروف بانتشار الحركات التحررية فى العالم العربى فى الخمسينات ودخول المد الوطنى والتيار الشعبى إلى الساحة بحيث أصبح الفن يعبر عن الأغلبية ، عن ماضيها وحاضرها وعن أحلامها الصغيرة والكبيرة .. فإذا انتكس المجتمع مرة أخرى بعودة الاستبداد سيحتاج لمن يعيد إليه حريته من جديد بصور شتى من التعبير عن الرأى والفكر والنفس والشعور د.أسامة عفيفى ، نتابع فى المقال القادم  

18. الموسيقى المعاصرة - عودة الفولكلور



الموسيقى المعاصرة - عودة الفولكلور
نتائج عصر النكسة
سبق أن لخصنا نتائج عصر النكسة فى المجال الفنى فى بضع نقاط هى:
1-  تراجع الأغانى الوطنية
2- عودة إلى ألحان التراث
3- عودة إلى الفولكلور الشعبى
4-  ظهور الأغانى الهابطة

وحيث سبق لنا الحديث عن تراجع الأغانى الوطنية وعودة التراث نستكمل حديثنا عن بقية النتائج وهى عودة الفولكلور وظهور الأغانى الهابطة
اتضحت هشاشة النظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى والفنى بعد النكسة فظهرت محاولات للعودة إلى الأصول
والواقع أن ما حدث من المبالغة فى استخدام الفن كأداة ترويح سياسى مع الإحساس بالصدمة عقب حدوث النكسة إلى عزوف الفنانين الرواد عن المشاركة فى تلك التظاهرة الفنية السياسية التى صاحبت فترة النظام الشمولى المسيطر على كل شيء فى المجتمع ، وقل نشاطهم إلى درجة كبيرة مع الاقتصار على الأعمال الحرفية البحتة التى تعتمد أساسا على النشاط الفردى للفنانين دون الانخراط فى موجات مجتمعية كبيرة
خلق هذا العزوف فراغا موضوعيا ساعد على صعود تيارات أخرى منها تيار فولكلورى واضح يحاول الربط بين الفن والأصول الشعبية ، ومن هذه المحاولات
  •  ألحان تعتمد على أصل فولكلورى لعبد الحليم حافظ ومحمد رشدى وشادية مع الملحن بليغ حمدى
  •  ألحان من أصل فولكلورى لبنانى وسورى لفيروز وآخرين
  •  ألحان من أصل فولكلورى تم تقديمها كما هى دون أى معالجة قامت بها أكثر من مطربة شعبية
غير أن هذه المحاولات لم تستطع ملء الفراغ الذى نتج أيضا من عزوف الجمهور وليس فقط الفنانين ، وأصبحت الساحة مهيأة لظهور أنواع أخرى من الفن تعتمد على فئات أخرى من الجمهور. فلم يكن من السهل إقناع نفس الجمهور بأن يغير مزاجه سريعا إلى الفن الشعبى أو الفولكلورى ولهذا ظهرت موجة من الفن تم فيه الخلط بين الفن الشعبى والفن السوقى لها جمهورها الخاص الذى يجد فيها ما يتماشى مع مزاجه وطريقة حياته وأسلوب حديثه قادها فنانون فطريون بغير دراسة ولا فكر ولا توجه أو توجيه. وساعد على صعودها انشغال الأجهزة الرسمية السياسية والثقافية بالعمل فى كادر واحد هو إزالة آثار العدوان ومحو الهزيمة العسكرية والسياسية بأساليب جادة لم يكن للفن فيها دور كبير . 
وبدت الحياة الفنية بل ربما حياة المجتمع كله وكأن كل شيء أصبح مؤجلا إلى حين المعركة الفاصلة القادمة لا محالة مع العدو الذى تسبب فى هذا التصدع. 
ومن المفارقات الهامة فى مسيرة الفن أن العودة المؤجلة والمرتقبة للإبداع والتحديث لم يكتب لها التحقق بسبب تغير المناخ السياسى والاقتصادى والاجتماعى بعد حرب أكتوبر التى كان يفترض بها استئناف المسيرة الطبيعية للمجتمع بصفة عامة وبالتالى مسيرة الإبداع والتحديث. 
والحقيقة أن هذا التغير فى المناخ استمر إلى مشارف القرن التالى وافتقدت الحركة الفنية كثيرا من الزخم الذى كانت تتمتع به فيما عدا بضع أعمال فردية قدمها الرواد العائدون إلى الساحة بعد استقرار الأمور ، ولذا نلاحظ الحديث هذه الأيام عما يسمى بالزمن الجميل فى إشارة إلى زمن الإبداع فى جو الاستقرار والتوحد المزاجى والطموح المتزايد إلى التحديث والتقدم د.أسامة عفيفى ، نستكمل الحديث فى المقال القادم

الخميس، 6 سبتمبر، 2012

المايسترو – ج1


 بقلم أحمد الجوادي

المايسترو Maestro or Conductor:



لقد نشرت هذا المقال في منتدى عربي وأحببت أن أعيد نشره هنا لمزيد من الاطلاع.

الكثيرين من غير الموسيقيين وحتى بعض الموسيقيين أحيانا لا يعرفون ما هي وظائف المايسترو ولماذا يقف أمام الأوركسترا، ولماذا يبدو وكأن العازفين لا ينظرون له أثناء العزف ومتى يكون وجوده ضروريا وأي من الأعمال التي ممكن عزفها بدون وجود مايسترو!

باختصار شديد، المايسترو هو من يدير العمل كله في الأوركسترا، وفي الأعمال الأوركسترالية الكبيرة لايمكن بأي حال من الأحوال عزف تلك الأعمال بدون وجود مايسترو.

كنت أقرأ قبل فترة في كتاب وكان هناك فصل يتكلم عن المايسترو، سوف أنقل فقرة أعجبتني من هذا الكتاب:
"المايسرو والمؤلف الشهير جوستاف ماهلر قال ذات مرة:
لا يوجد أوركسترا عظيم، فقط يوجد مايسترو عظيم. في هذا الكلام مقدار كبير من الحقيقة إذا لم يفهم بشكل حرفي. طبعا حتى توسكانيني نفسه لن يستطيع أن يجعل أوركسترا لمعهد عالي للموسيقى أن يعزف مثلما يعزف أوركسترا بوسطن فيلهارمونيك، وكذلك الأمر لو قاد مايسترو من الدرجة الرابعة أوركسترا بوسطن فيلهارمونيك لما تمكن من أن يجعلها تعزف مثل أروكسترا لمعهد عالي للموسيقى" هذا هو جزء مما أتى في الكتاب.

لو طبقنا هذا الكلام على إحدى أشهر الأوركسترات في العالم كأن تكون أوركسترا برلين فيلهارموني ولو افترضنا وأن قاد هذا الأوركسترا قائد عظيم مثل كارايان في عمل ضخم كأن يكون الحركة الأولى من سيمفونية ماهلر الثانية، وبعد أن فرغ كارايان من قيادته لتلك الحركة قام بتسليم عصا القيادة لمايسترو آخر، المايسترو الآخر ليست له خبرة طويلة في القيادة وهو قائد بسيط جدا من الدرجة الثامنة أو العاشرة، بعد أن يقود هذا المايسترو غير الخبير نفس العمل سوف نلاحظ فارقا هائلا في النتيجة الصادرة، علما بأن الأوركسترا هو نفسه والنوتات الموضوعة أمام العازفين هي نفسها فأثناء قيادة المايسترو الثاني للعمل لسمعنا هرجا ومرجا وأخطاءا لا حصر لها بدلا من أن تسمع عملا عظيما.
ولو قاد أوركسترا شهير مايسترو شهير جدا عملا معين، وبعد فترة قاد نفس العمل ونفس الأوركسترا مايسترو شهير آخر للاحظنا أن هناك فروقات قد تصل أحيانا لتكون فروقات كبيرة بين نتيجة قيادة هذين المايستروين، السبب هو أن لكل مايسترو له رؤيته وفهمه الخاص بالعمل والمؤلف.
هذا هو السبب في أن الكثيرين من المهتمين بالموسيقى الكلاسيك حينما يقتنون عملا مهما لمؤلف ما فهم يقتنون ذات العمل بقيادة عدة مايسروات وعزف عدة أوركسترات.

هل ينظر الموسيقيين للمايسترو بانتباه؟

حينما يتفرج شخص غير موسيقي إلى أوركسترا يلاحظ "أو يتصور" بأن كل العازفين مشغولين بقراءة النوتة متناسين وجود المايسترو ولا ينظرون له، إذا لماذا يقف المايسترو؟ هذا الكلام غير صحيح بتاتا، فكل العازفين عليهم أن يراقبوا تحركات المايسترو.

لو حضر أحدنا بروفة أوركسترا وجلس يتفرج، وجد أن العازفين منهمكين في قراءة النوتة وفي مكان معين أوقف المايسترو العزف، تجد أن الأوركسترا كلها تتوقف عن العزف في نفس الوقت الذي أوقف المايسترو يده، هذا يعني أن الجميع منتبهين لحركات المايسترو، وهذا هو السبب في أن المايسترو يقف على خشبة عالية لكي يراه جميع العازفين، أما العازفين الذين يشتركون في نوتة واحدة "مثل الآلات الوترية حيث يشترك كل عازفين إثنين في نوتة واحدة" تجد أنهم يضعوا حامل النوتة "الستاند" في مكان معين بحيث يتمكن كُلّا من العازفين من رؤية المايسترو ولو صادف وأن جلس أمام أحد العازفين عازف أو عازفة بشعر عالي أو كثيف أو عازف طويل القامة مما يعيق العازف الذي يجلس إلى خلفه من رؤية المايسترو تجد أن العازف يحاول تغيير مكان الستاند أو مكان الكرسي الذي يجلس عليه أو يطلب من العازف الجالس أمامه ليغير قليلا من موقعه ليتمكن هو من رؤية المايسترو. 
وهذا هو السبب أيضا في أننا نجد أن الأوركسترا تجلس على ألواح خشبية متفاوتة في الارتفاع، فكراسي الآلات الوترية توضع على خشبة المسرح مباشرة أما كراسي آلات النفخ فتوضع على ألواح خشبية متفاوتة الارتفاع وبحسب موقع الآلة لكي يتمكن العازفين من رؤية المايسترو.

لننظر لهذا الفيديو سنلاحظ الاختلاف في ارتفاع مستوى العازفين وهم يعزفون سيمفونية دفورجاك الثامنة


هل رأى أي منا عازف في أوركسترا قد وجه النوتة بعكس اتجاه المايسترو أو في اتجاه آخر؟
لو انتبه المايسترو أثناء البروفة إلى أن أحد العازفين ينظر فقط للنوتة الموسيقية ولا ينتبه لإشاراته يوقف المايسترو التمرين ويتوجه بنظره لذلك العازف مستهزئا وساخرا ويمسك النوتة التي أمامه ويضعها على مقربة من أنفه وعيونه أي على مسافة 5 سنتمترات عن عيني المايسترو في إشارة منه أن ذلك العازف ينظر فقط للنوتة ولا ينتبه لحركات المايسترو لكي يضحك عليه باقي العازفين (نادرا ما يحصل هذا في الأوركسترات الاحترافية لكن ممكن أن يحصل في أوكسترات الطلاب أو أركسترات الهواة).

كيف يتمكن العازف من رؤية المايسترو وهو مشغول بقراءة نوتته الموسيقية؟

ممكن أن نطبق هذه التجربة على أنفسنا:
أنظر إلى صفحة أمامك وفي نفس اتجاه الصفحة التي تقرأها يجلس شخص، أطلب من ذلك الشخص أن يؤشر بأصابع يده ليعطيك عددا معينا كأن تكون ثلاثة أصابع أو خمسة سوف تجد نفسك بأنك تتمكن من التعرف على العدد وأنت لا تنظر إلى الشخص بل تنظر للصفحة التي أمامك، بعد ذلك اطلب منه أن يحرك إحدى يديه ويضعها في مكان ما سوف تنتبه على الفور بأنه قد وضع يده على رأسه أو على قدمه على سبيل المثال. بنفس الكيفية يتمكن عازف الأوركسترا من رؤية المايسترو وهذا السبب الذي تجدهم جميعا قد وضعوا حامل النوتات في نفس اتجاه المايسترو. توجد أماكن معينة في العمل الموسيقي يتطلب فيها من العازفين أن يتركوا النظر في النوتة ويركزوا أنظارهم نحو المايسترو لكي يتلقوا التعليمات الصحيحة من حركات يدي المايسترو "مثل هذه الأماكن يكون حفظها سهلا أو أن تكون نوتات طويلة، أي لا يمكن عمل ذلك في أماكن صعبة وسريعة".

مع تحيات أحمد الجوادي