كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الاثنين، 23 سبتمبر، 2013

تحليل موسيقى مسائية صغيرة Eine Kleine Nacht-Musik

بقلم: أحمد الجوادي



نبذة عن الموسيقى:
كتب موتسارت هذه الموسيقى في فيننا عام 1787 وهي سيرينادا للوتريات في سلم صول كبير مصنف رقم 525. هي أشهر أعمال موتسارت وأكثرها انتشاراً وعزفاً في الحفلات وفي التسجيلات. كتب موتسارت هذا العمل لكمانين/ أول وثاني وفيولا وشيللو، وفي بعض الأحيان ممكن أن يضاف الكونتراباص حيث يعزف نفس بارت الشيللو. ممكن أن يعزف هذا العمل من قبل رباعي وتري لكن على الأغلب فهو يعزف من قبل أوركسترا وتري صغير.
العمل مكون من أربع حركات: حركة أولى سريعة، وحركة ثانية بطيئة "رومانس"، وحركة ثالثة راقصة (مينويت وتريو)، وحركة رابعة سريعة.
كلمة سيرينادا Serenade تعني موسيقى مسائية، أي تعزف في المساء وتعزف غالبا على شرف شخص أو غالبا حبيب.
لا يعرف لماذا كتب موتسارت هذا العمل.

الحركة الأولى والتي سوف أتناولها في تحليلي مبنية على قالب السوناتة أو Sonata form.
تحليل الحركة الأولى من موسيقى مسائية صغيرة:
تبدأ الحركة الأولى بقالب السوناتة مباشرة، أي بدون أي مقدمة بطيئة.
لو راقبنا الفيديو فسوف يسهل علينا متابعة التحليل حيث أنني كتبت كل التحليل المبسط، لكنني كتبت المزيد هنا، هو كما يلي وبالاعتماد على أرقام البارات ومؤشر الوقت:
الموسيقى هي في سلم صول كبير، أي صول ماجور.
تبدأ الأوركسترا كلها بعزف لحن واحد وبدون أي مصاحبة أو هارموني، ما يسمى (يونيسون) أو (Unison)، وتعني اتحاد.
أحب أن أتوقف قليلا عند مصطلح (يونيسون)، هذه التسمية تطلق على نوتتين متطابقتين تماما، كأن تعزف آلتين نفس النوتة ولتكن نوتة دو الوسطى، وكذلك يطلق على لحن يعزف من آلتين تعزفان من نفس الطبقة، لكن أيضا يطلق هذا المصطلح على مجموعة حينما تعزف نفس اللحن حتى لو كانت الموسيقى تعزف من عدة أوكتافات، مثل هذه الافتتاحية القصيرة للموسيقى.

البناء الرئيسي لهذه الحركة هو:
- قسم عرض مكون من موضوعين.
- (مجموعة) الموضوع الأول في السلم الأساسي، سلم صول كبير.
رابط أو جسر
- (مجموعة) الموضوع الثاني وهو في سلم الدومينانت أي سلم ري الكبير.
- كوديتا صغيرة. ثم يعود من الأول.
- قسم التفاعل وهو قسم حر.
- قسم إعادة العرض والمكون مثل قسم العرض من موضوعين، لكن الفارق هو أن الموضوع الثاني يكون في السلم الاساسي، أي سلم صول كبير.
- كودا.
قسم العرض:
تبدأ الموسيقى بلحن افتتاحي مميز من أربع بارات في السلم الاساسي وهو سلم صول الكبير، هي بداية قسم العرض. لو ذكرنا اسم هذا العمل أمام أي شخص (يعرف هذه الموسيقى) لتبادر إلى ذهنه على الفور هذه البارات الأربعة.
هذا اللحن هو اللحن الأول في المجموعة الأولى لقسم العرض، وكما نلاحظ فإن شخصية هذا اللحن هي إيقاعية أكثر منها لحنية. كل ذلك يعزف بصوت قوي أي (فورتي).
نلاحظ في البارات 5 إلى 8 أن الشيللو يعزف نوتة واحدة، هذه النوتة لا تنطبق مع الكورد الذي في البار السادس والثامن، هي نوع من أنواع النوتات الغريبة عن الهارموني، أي Non-Chord Tones أي NCT وهذا النوع يسمى بالبيدال، أي Pedal Point.

في البار 11 أي الوقت 00:19 يبدأ اللحن الثاني من مجموعة الموضوع الأول، هو أيضا في نفس السلم أي سلم صول كبير، ويعزف بصوت خافت حيث أن موتسارت كتب P والتي هي اختصار ل Piano والتي تعني العزف بصوت خافت. يعزف هذا اللحن من الكمان الأول والكمان الثاني، وعلى بعد بار واحد أي في البار رقم 12 والوقت 00:21 ترد آلات الفيولا والشيللو بعزف نفس اللحن، يسمى هذا بالمحاكاة، وممكن تشبيهه بالصدى.
يعاد نفس اللحن في البار رقم 15 والتوقيت 00:26 وترد آلات الفيولا والشيللو، في المرة الثانية يكون اللحن مختلفا اختلافا طفيفا، حيث أن موتسارت استبدل النوار الثاني والرابع بكروشات لتصبح نوتتين بدلا من نوتة واحدة، هذا نوع مبسط جدا مما يسمى Variation أو تنويعات.

في البار رقم 18 والتوقيت 00:32 يبدأ شيء جديد، جسر موسيقي يربط بين الموضوع الأول والموضوع الثاني من قسم العرض. يبدأ هذا الجسر بنبرة قوية sf أي sforzando والتي تعني ضغط قوي على هذه النوتة وتهبط شدة الصوت مباشرة ليصبح العزف خافت، ثم ارتفاع تدريجي في قوة شدة الصوت تبدأ من 00:35 وتنتهي عند 00:38 ليصبح العزف قوي حيث كتب موتسارت f وهي اختصار لكلمة forte والتي تعني بالإيطالية قوي.
هذا الجسر أو الرابط مبني على ألحان جديدة لم تكن موجودة في مجموعة الموضوع الأول. وظيفة هذا الجسر هي النقل من السلم الأساسي أي سلم صول كبير إلى السلم الجديد والذي هو سلم ري الكبير، أو سلم الدومينانت هنا.

في البار 24 أي التوقيت 00:42 يظهر شكلاً جديداً، هذا الشكل يدعى سنكوب، أي أن النوتات لا تأتي مع الضربة بل تأتي مخالفة للضربات، هذه السنكوبات موجودة في الكمان الأول والكمان الثاني. ينتهي هذا الجسر على كورد لا كبير وهو كورد الدومينانت أي كورد الدرجة الخامسة للسلم الجديد والذي سيكون سلم ري كبير.
في البار رقم 28 والتوقيت 00:49 يبدأ اللحن الأول من مجموعة الموضوع الثاني، نلاحظ أن الموضوع الثاني مكون أيضاً من مجموعتين. يكون اللحن انسيابيا وغنائيا يعزف من قبل الكمان الأول والكمان الثاني، والمصاحبة هي مصاحبة هارمونية وهي في الفيولا والشيللو. موتسارت كتب p وهو اختصار لكلمة piano والتي تعني بالإيطالية صوت منخفض الشدة. الموضوع الثاني هو على السلم الجديد والذي هو سلم ري كبير.
نلاحظ في هذا المكان أن موتسارت لم يكتب أي ارتفاع وانخفاض في شدة الصوت، لكننا نسمع بعض التغييرات في قوة الصوت، هذه هي من مهام المايسترو (أو الذي ينوب عنه). كنت قد نوهت عن ذلك في موضوعي: المايسترو.

شيء هام في الموضوع الثاني، نلاحظ أنه مضاد للموضوع الأول، حيث أن الموضوع الأول كان إيقاعي، بينما الموضوع الثاني غنائي.
في البار رقم 32 والتوقيت 00:56 يعاد نفس اللحن، لكن هذه المرة من قبل الكمان الثاني فقط والذي تدخل عليه الكمان الأول لكي يكمل اللحن معه. المصاحبة هنا جميلة جدا وفيها الكثير من النوتات الكروماتيك، نجدها في الشيللو.
في البار رقم 35 والتوقيت 01:02 يبدأ اللحن الثاني من مجموعة الموضوع الثاني، السلم أيضا ري كبير.
يعزف هذا اللحن من الكمان الأول والمصاحبة من الكمان الثاني والفيولا بينما الشيللو يكتفي بإعطاء نوتة واحدة في بداية كل بار، المصاحبة هنا جميلة جدا وتدعم اللحن الجميل بشكل رائع.
في البار رقم 47 والتوقيت 01:09 يتغير الجو العام كله لتصبح الموسيقى شديدة القوة أي forte ما يعني العزف بشدة. نلاحظ أن اللحن الأساسي هنا مأخوذ من الموضوع الأول في مجموعة الموضوع الثاني، لكنه مختلف قليلا، والأختلاف الكبير هو في الجو العام وفي المصاحبة المختلفة كليا عن المصاحبة في اللحن السابق.

في البار رقم 43 والتوقيت 01:15 يعاد اللحن الثاني من الموضوع الثاني كله.
في البار رقم 51 والتوقيت 01:28 وبالتحديد في النوتة الأولى من البار ينتهي اللحن الثاني من الموضوع الثاني، ليبدأ تطويل لهذا اللحن لجعل نهاية جميلة وناعمة، كان من الممكن أن ينهي موتسارت هذا التطويل عند البار 53 والتوقيت 01:31، لكن موتسارت ارتآى بعبقريته غير المحدودة أن يضيف جزءا قصيرا آخر وباستخدام الكروماتيك. نلاحظ أن بداية التطويل كان أقوى من سابقه في شدة الصوت، أي ما يدعى Crescendo، موتسارت لم يكتب أي كريشيندو، ونلاحظ أيضا في نهاية التطويل يوجد تبطيء بسيط جدا، موتسارت لم يكتب هذا، كل هذا من مهام المايسترو.

في البار رقم 54 والتوقيت 01:33 تبدأ ما يمكن تسميتها كوديتا وهي قصيرة جدا، عبارة عن بارين فقط، وكما ذكرت في شرحي لقالب السوناتة بعض المنظرين يسمونها Closing section.
الكوديتا مع التطويل تشكلان جزء نهائي لقسم العرض والذي هو القسم الأول من قالب السوناتة. بعض المنظرين يعتبرون أن closing section يبدأ من بار 51 أي من التطويل، لكنني لست مع هذا الرأي.
في التوقيت 01:37 وبعد انتهاء الكوديتا القصيرة يعاد عزف القسم الأول أي قسم العرض بأكمله. لن أعيد كتابة التفاصيل، أرجو متابعة الفيديو.
ينتهي الموضوع الثاني بأكمله على سلم ري كبير، من هذا السلم ممكن العودة بسهولة إلى سلم صول كبير بسبب الترابط القوي بين الدرجة الأولى (Tonic) والدومينانت، وممكن أيضا الذهاب قدما إلى القسم التالي:

قسم التفاعل:
بعد أن ينتهي عزف قسم العرض يبدأ قسم التفاعل، قسم التفاعل هو القسم الأوسط في قالب السوناتة، كما ذكرت في شرحي لقالب السوناتة والمؤلف هنا له حرية الإبداع في معاملة الألحان التي استخدمها في قسم العرض وإجراء تحويلات سلمية حيث يذهب إلى سلالم بعيدة عن السلمين الذين استخدمهما في قسم العرض.

يبدأ قسم التفاعل بعزف نفس اللحن الافتتاحي، لكن في سلم ري الكبير، وذلك بعد المرجع أي البار 56 وفي الوقت 3:15. في نهاية هذه البارات الأربعة يتوقف موتسارت على نوتة سي، نذكر في البداية أنه انتهى على نوتة ري والتي هي خامسة سلم صول، لكن هنا ولكي يبقي الباب مفتوحا لم ينتهي على النوتة المتوقعة والتي يفترض أن تكون نوتة لا. لم يكتب موتسارت أي هارموني على نوتة سي وترك الباب مفتوحا للمستمع للتخيل، حيث خيارات الكوردات هنا كثيرة، لكن بنظرة إلى البار نجد أنه أربيج ولو ركبنا هذا الأربيج لأصبح كورد الدومينانت لسلم مي (كبير أو صغير)، أي كورد سي ميجر بسابعته الصغيرة، أي أننا نتوقع ظهور سلم مي (كبير أو صغير). لكن ذلك لم يحصل حيث كان السلم التالي هو سلم دو كبير، إذا كان ذلك عبارة عن لمس للدرجة الثالثة لسلم دو الكبير.

بعد ذلك يستخدم موتسارت لحن مأخوذ من الموضوع الثاني، السلم هنا هو دو كبير، ذلك في البار 60 والوقت 3:21.
من البار 65 والوقت 3:30 يبدأ بإجراء تحويلات مقامية، يذهب أولا إلى سلم لا صغير، ثم صول صغير، ثم ري صغير مع خفظ الدرجة الثانية ليصبح الإحساس مبهما ما بين مي بيمول كبير وري صغير، لكنه يحسم الأمر بظهور نوتة دو# في البار 69 ونوتة مي طبيعي في البار 70.
نلاحظ أن التحويلات التي أجراها موتسارت من البار 65 إلى البار 70 نلاحظ أنه استخدم نفس الشكل الذي أخذه من الموضوع الثاني/ اللحن الثاني، واستخدمه على شكل تتابع تنازلي أي Sequence، أي نفس الشكل بعدة سلالم.

في البار 70 والوقت 3:39 يستخدم لحن من الموضوع الأول، لكنه يستخدمه بشكل معكوس، أي بدلا من أن تكون السلالم هابطة كما في اللحن الأصلي، تصبح هنا صاعدة. وفي البار 73 أي 3:45 يستخدم سلم الكروماتيك للوصول إلى نوتة ري الطويلة بالنسيج الذي تحتها والذي يعزف من الكمان الثاني والفيولا، والتي تنتهي بتريل كل ذلك سيقودنا إلى:

قسم إعادة العرض:
في البار رقم 76 والتوقيت 03:49 القسم الثالث والأخير من قالب السوناتة، إعادة العرض.
نفس اللحن الافتتاحي وعلى السلم الأصلي، أي سلم صول كبير، لا تغيير في الموضوع الأول.
نلاحظ أن الكونترباص يعزف نفس نوتات البيدال في البارات 80 – 83.
في البار رقم 86 والتوقيت 04:07 اللحن الثاني من الموضوع الأول، ونفس المحاكاة، لا تغيير.
في البار رقم 93 والتوقيت 04:20 يظهر لنا نفس الجسر أو الرابط الذي يربط بين الموضوع الأول والثاني.
لا يوجد اختلاف في الجسر هنا سوى أنه أقصر بقليل من الجسر الأول، وظيفته هي البقاء في نفس السلم الأصلي أي سلم صول كبير، أي بدل الانتهاء بكورد الدرجة الخامسة لسلم ري والذي هو كورد لا، انتهى هنا بنوتة ري والتي هي جذر كورد ري ماجور أي دومينانت سلم صول، ذلك من أجل البقاء في السلم الأساسي.

في البار رقم 99 والتوقيت 04:31 هنا يوجد اختلاف عن الرابط الأول، لكن موتسارت هنا لم يستخدم موتسارت السنكوب الذي استخدمه في المرة الأولى، بل قفز للبارين الأخيرين من الرابط وفي هذين البارين اختلاف في الشكل الإيقاعي أيضا بالإضافة للاختلاف في السلم. في نهاية الجسر أو الرابط توقف موتسارت على نوتة ري والتي هي خامسة السلم الأساسي، أي صول كبير.

في البار رقم 101 والتوقيت 04:34 يظهر اللحن الأول من الموضوع الثاني، لكن في السلم الأصلي، سلم صول كبير.
في البار رقم 105 والتوقيت 04:42 نفس اللحن عند الكمان الثاني.
في البار رقم 108 والتوقيت 04:48 اللحن الثاني من الموضوع الثاني، وعلى السلم الأساسي.
في البار رقم 116 والتوقيت 05:02 إعادة لنفس اللحن.
في البار رقم 124 والتوقيت 05:15 تطويل، نفس التطويل في قسم العرض لكنه على السلم الأصلي.
في البار رقم 127 والتوقيت 05:21 كودا للاتنهاء من العمل.
نلاحظ أن البار الأول من الكودا هو نفس البار الأول من الكوديتا، لكنه على السلم الأصلي، الكوديتا كانت قصرة جدا، لكن الكودا هنا طويلة نسبيا. نلاحظ أنه في الكودا لا يخرج من سلم صول كبير بتاتاً، وفي البارات الستة الأخيرة لا يستخدم في الهارموني سوى كوردات الدرجة الأولى والخامسة من سلم صول كبير.

في البارات الأخيرة أي 132 – 135 أيضا استخدم موتسارت البيدال في الشيللو، حيث أن الهارموني يتغير عند القفلات حيث يصبح الكورد دومينانت في الضربة الرابعة من البارين 133 و 135 بينما يستمر الشيللو بعزف نوتة صول والتي لا تتبع لكورد ري دومينانت، حيث يحوي هذا الكورد النوتات (ري – فا# – لا – دو).
ملاحظة: بعض المنظرين يعتبرون بأن الكودا تبدأ من البار رقم 132 التوقيت 05:30.
أرجو أن تكونوا قد استمتعتم مع تحليل هذا العمل المبهر لموتسارت.
مع خالص تحيات/ أحمد الجوادي

الجمعة، 20 سبتمبر، 2013

قالب السوناتة Sonata Form

بقلم: أحمد الجوادي
قالب السوناتة Sonata Form:
ويدعى أحيانا:
قالب الحركة الأولى، او قالب سوناتة أليجرو First movement form, or Sonata Allegro Form
قبل أن أبدأ بشرح قالب السوناتة، علي أن أقوم بتعريف بعض المصطلحات التي ستصادفنا والتي ستكرر كثيرا.
نوتة الدرجة الأولى، تونيك (Tonic)
نوتة الدرجة الخامسة، دومينانت (Dominant)
لو كان لدينا سلم دو كبير، يبدأ هكذا: دو – ري – مي – فا – صول – لا – سي – دو. في هذا السلم تكون الدرجة الأولى هي نوتة (دو)، وتسمى تونيك (Tonic). لو حسبنا من نوتة دو خمس درجات وابتداءاً من نوتة دو نفسها لحصلنا على نوتة صول، نوتة صول هذه هي الدرجة الخامسة في السلم أي ما تسمى دومينيانت (Dominant)، لو كان لدينا سلم ري الصغير (سوف أتجاهل علامات التحويل وأكتب النوتات فقط)، سيكون السلم هكذا: ري – مي – فا – صول – لا – سي – در – ري. لو طبقنا نفس الشيء ستكون نوتة ري هي نوتة الدرجة الأولى أي التونيك، ونوتة لا هي الدرجة الخامسة أي الدومينانت. بنفس الطريقة فإن نوتة لا هي نوتة التونيك في سلم لا صغير والدومينانت هو مي. وهكذا مع جميع السلالم.

تأريخيا:
قالب السوناتة هو قالب موسيقي بدأ استخدامه في الموسيقى الكلاسيك، وبدأ توطيد هذا القالب على يد كارل فيليب إيمانويل باخ (1714-1788) Carl Philipp Emanuel Bach وهو الابن الثاني للمؤلف العظيم يوهان سيباستيان باخ (1685-1750) Johann Sebastian Bach وهو أهم أبناء باخ.
يستخدم هذا القالب عادة في بناء الحركة الأولى من السوناتة أو السيمفونية أو الرباعي الوتري أو غيرها، لكن استخدامه لا يقتصر على الحركة الأولى فحسب، بل ممكن أن تستخدم في غير الحركة الأولى. في الكثير من الأعمال يستخدم هذا القالب لبناء الحركة الرابعة أيضا. وهذا القالب ليس حكراً على الحركات السريعة، إذ ممكن أحيانا أن نجد حركة بطيئة مبنية على هذا القالب، لكنه في هذه الحالة غالبا ما يكون متغيراً، أي محذوفاً منه جزء Modified Sonata أو Abridged Sonata Form ويكون ذلك في الحركة الثانية البطيئة.
لقد استخدم موتسارت قالب السوناتة في بناء ثلاث حركات من سيمفونيته رقم 40 الأكثر شهرة، الحركات هي: الأولى والثانية والرابعة.

ملاحظة هامة: قالب السوناتة ليست له علاقة بالسوناتة، إذ أن السوناتة هو عمل مكون من عدة حركات (أربعة عادة) وبقوالب مختلفة، بينما قالب السوناتة هو قالب لحركة واحدة.
ملاحظة أخرى: لم يكن هذا القالب موجودا قبل الحقبة الكلاسيكية، اي في موسيقى الباروك (باخ وهاندل) حيث لم يكن قد ابتكر بعد، وإن كنا نلاحظ وجود أعمال من تلك الحقبة الزمنية يطلق عليها (سوناتة) لكنها كانت عبارة عن مجموعة من الحركات كل حركة من قالب أو رقصة كانت مستخدمة في ذلك العصر، كلها بعيدة تماما عن قالب السوناتة الذي نحن في صدده الآن.

شاع استخدام هذا القالب في الحقبة الكلاسيكية من قبل المؤلفين الكلاسيكيين أمثال موتسارت وهايدن وبعدهما بيتهوفن، واستمر استخدام هذا القالب حتى في العصور التالية للعصر الكلاسيكي حيث استخدمه المؤلفين الرمانتيكيين، وهو لا زال مُستخدماً إلى يومنا هذا حيث أن الكثير من المؤلفين المعاصرين يستخدمون هذا القالب أحياناً (أنا شخصيا لدي عمل بنيته على هذا القالب).

قالب السوناتة، تحليليا:
مقدمة Introduction:
كثيرا ما تكون هناك مقدمة تسبق الحركة السريعة المبنية على قالب السوناتة. هذه المقدمة غالبا ما تكون بطيئة، ولا تحتسب على الحركة السريعة أثناء تحليل قالب السوناتة، أي أنها ليست ضمن قالب السوناتة. وغالبا ما نجد المقدمة البطيئة في الحركة الأولى.
المقدمة البطيئة أكثر شيوعا في الأعمال الأوركسترالية وأقل شيوعا في أعمال موسيقى الحجرة أو أعمال السولو، لكن هذا لا ينفي وجودها أحياناً في السوناتات السولوٍ، مثال ذلك السوناتة رقم 8 مصنف 13 لبيتهوفن والمعروفة باسم (باثاتيك)، حيث كتب بيتهوفن مقدمة بطئية قبل دخول الجزء السريع، والذي هو في قالب السوناتة.

موتسارت لم يكتب كثيرا مقدمات بطيئة في ٍسيمفونياته عدا القليل مثل السيمفونية رقم 39، حيث أن أغلب سيمفونياته تبدأ مباشرة بموضوع القسم الأول من قالب السوناتة، مثال لذلك السيمفونية الأربعين والسيمفونية رقم 41 المسماة جوبيتر. أما هايدن فكان كثيرا ما يكتب مقدمات بطيئة للحركة الأولى من سيمفونياته، مثال ذلك سيمفونيته رقم 104 وهي الأخيرة.
أقسام قالب السوناتة.
يتألف القالب السوناتة من ثلاثة أجزاء أو أقسام رئيسية هي:
قسم العرض Exposition
قسم التفاعل Development
قسم إعادة العرض Recapitulation

قسم العرض Exposition:
وهو القسم الأول في قالب السوناتة، وهو الأهم في الحركة. يتكون هذا القسم من جزئين أساسيين هما: الموضوع الأول والموضوع الثاني.
الموضوع الأول:
يرمز لهذا الموضوع عادة بالحرف A
يغلب على هذا الجزء عادة الطابع الإيقاعي والطابع الدرامي ويطلق عليه الكثير من المنظرين عبارة (اللحن الذكوري). يبنى هذا القسم على السلم الأصلي للحركة، مثلا: لو كانت الحركة في سلم صول كبير فيكون هذا القسم في نفس هذا السلم، أي سلم صول كبير. ويطلق اسم السيمفونية أو السوناتة على اسم هذا السلم، مثلا يقال: سيمفونية بيتهوفن الخامسة في مقام دو الصغير، وإن كانت هذه السيمفونية تنتهي في حركتها الرابعة على سلم دو كبير. وهكذا.
في بداية الحركة السريعة وفي اللحن الأول يختار المؤلف لحنا مميزاً يسهل حفظه وتذكره لكي يبقى في الذاكرة ليفتتح به الحركة أو السيمفونية. مثلا لو ذكَرَ أحداً السيمفونية الخامسة لبيتهوفن لتبادر للذهن على الفور الضربات الأربعة الأولى الشهيرة التي يفتتح بيتهوفن بها سيمفونيته. ولو ذكر سيمفونية موتسارت الأربعين لتبادر للذهن على الفور اللحن الافتتاحي الشهير الذي يبدأ به موتسارت هذه السيمفونية. وهكذا.

يلي الموضوع الأول في قسم العرض جزء يدعى:
جسر Transition
ممكن تسميته جسر، أو رابط، أو قنطرة، Transition, Link or Bridgeأو غير ذلك.
وظيفة هذا الجزء هو الربط بين الموضوع الأول والموضوع الثاني، يبنى عادة على الأشكال التي استُخدِمت في الموضوع الأول، وممكن أن تظهر أشكال جديدة. وظيفة هذا الرابط هو نقل الموسيقى من السلم القديم الأصلي إلى السلم الجديد حيث الموضوع الثاني. أي أن وظيفته الأساسية هي تحويل مقامي أو سلمي من الموضوع الأول إلى الموضوع الثاني ولكي تكون التحويلة بين الموضوع الأول والثاني سلسة ولا تضايق السامع. أحيانا يكون هذا الرابط طويلا وأحيانا يكون قصيرا، وأحيانا (نادرة) غير موجود.

الموضوع الثاني:
يرمز لهذا الموضوع عادة بالحرف B
أما القسم الثاني فهو لحن أو موضوع غنائي وعاطفي Lyrical، يطلق عليه بعض المنظرين تسمية (اللحن الأنثوي). يجب أن يكون هذا اللحن متضاداً مع اللحن الأول في الفكرة، ويكون دائما في سلم آخر غير السلم الأصلي.
يبنى عادة الموضوع الثاني على سلم الدرجة الخامسة من سلم الحركة (الدومينانت)، مثلاً لو كانت الحركة من سلم ري كبير، يكون القسم الثاني مبني على مقام لا كبير (لا هي خامسة ري).
أما لو كان اللحن الأصلي مبني على سلم صغير أو مينور فيبنى اللحن الثاني عادة على السلم الكبير أو الماجور المرادف أو الموازي له (يحوي نفس علامات التحويل)، أي السلم الذي فيه نفس علامات التحويل (يشتركان في دليل سلمي واحد). مثلا لو كان السلم دو صغير، يكون سلم الموضوع الثاني على سلم مي بيمول كبير (السلمان يشتركان في دليل واحد وهو ثلاث بيمولات). وفي أحيان أقل شيوعاً، يكون سلم الموضوع الثاني على خامسة السلم الأصلي، أي دومينانت (أي سلم صول صغير في حالة لو كان السلم دو صغير).
توجد الكثير جدا من الشواذ عن هذه القاعدة، خصوصا فيما بعد العصر الكلاسيكي حيث تم تغيير وتطوير والتخلص من الكثير من القواعد الصارمة والتي كانت مُلزِمة في وقتها وأصبحت أقل صرامة، حيث ممكن أن يكون الموضوع الثاني في سلم آخر غير السلالم التي ذكرت أعلاه. يكون الموضوع الثاني عادة أطول من الموضوع الأول.
كوديتا أو codetta:
في نهاية قسم العرض وبعد أن ينتهى الموضوع الثاني غالبا ما يظهر جزء ختامي قصير اسمه كوديتا Codetta أو ذيل قصير، وكلمة كوديتا هي مصغر لكلمة كودا Coda والتي تعني بالإيطالية (ذيل). قسم كبير من المنظرين يسمون هذا الجزء ب Closing Section.
عادة ما ينتهي قسم العرض على سلم درجة الخامسة أو الدومينانت وعادة ما ينتهي بمرجع حيث تعاد الموسيقى من بداية قسم العرض.ٍ هناك بعض الأعمال لا يوجد فيها مرجع في نهاية قسم العرض، حيث تستمر الموسيقى إلى الجزء التالي بدون إعادة. وهناك نوعين من المرجعات، إما مرجع عادي تعود الموسيقى من البداية، أو مرجع به بريما وسيكوندا فولتا، أي Prima Volta, Seconda Volta. حيث أن السيكوندا فولتا هي التي تذهب إلى القسم التالي، أي قسم التفاعل.

ملاحظة: يرى الكثير من المنظرين بأنه من الأفضل تسمية الموضوع الأول ب (مجموعة الموضوع الأول)، والموضوع الثاني ب (مجموعة الموضوع الثاني)، حيث أن الكثير من المؤلفين يكتبون أكثر من فكرة أو لحن في كل موضوع. ففي المجموعة الأولى ممكن أن يكون هناك لحنان، وكذلك في الموضوع الثاني ممكن أن يكون هناك لحنين أو أكثر أحياناً.
لسهولة فهم الدرجة الخامسة:
لكي يسهل فهم ما قصدته بسلم الدرجة الخامسة، أي الدومينانت:
بسهولة شديدة فإن سلم الدومينانت يقع دائماً في جهة الدييزات، أي:
لو كان السلم من سلالم الدييزات يكون السلم الجديد أكثر منه بدييز واحد: أي يزيد عليه بدييز. مثلا: لو كان السلم يحوي على ثلاث دييزات فإن سلم الدرجة الخامسة سيحوي على أربع دييزات. ولو كان السلم من سلالم البيمولات، فإن السلم الجديد سيحوي على بيمول اقل. مثلا: لو كان السلم يحوي على ثلاث بيمولات، فإن السلم الجديد سيحوي على بيمولين. وهكذا.
ولو كان السلم دو، فإن السلم الجديد هو صول.
بعد أن ينتهي القسم الأساسي الأول في قالب السوناتة، والذي هو قسم العرض يأتي القسم الاساسي الثاني والذي هو:
قسم التفاعل Development:
هو القسم الأوسط الذي يلي قسم العرض.
في هذا القسم يستعرض المؤلف براعته ومهارته في التأليف، يستخدم في هذا القسم الأجزاء التي استخدمها في قسم العرض، وأحياناً تظهر ألحاناً جديدة لم تكن موجودة في قسم العرض. في هذا الجزء يستعرض المؤلف الألحان التي كتبها سابقا بأن يعيد كتابتها في سلالم مختلفة وبأشكال مختلفة وتنقلات سريعة بين السلالم، وأحيانا يبتعد كثيرا عن السلم الأصلي، ويجري الكثير من التداخلات بين الموتيفات (أو الخلايا اللحنية) والألحان المستخدمة في قسم العرض، وفي قسم العرض عادة ما توجد سلالم وأربيجات بكثرة. لا توجد لهذا القسم أي صيغة معينة يجب اتباعها فهو قسم حر في بنائه.
بعد الانتهاء من قسم التفاعل يأتي القسم الأخير والذي هو:

قسم إعادة العرض Recapitulation :
في هذا القسم يعيد المؤلف نفس ما كتبه في قسم العرض لكن مع اختلاف أساسي وهو أن الموضوع الثاني يجب أن يكون في نفس السلم الأساسي، أي نفس سلم الموضوع الأول. هذا معناه أن الجسر يجب أن يتغير وتتغير وظيفته لتصبح البقاء في نفس السلم الأصلي
في حالة لو كان سلم الحركة هو سلم صغير، ممكن أن يكون الموضوع الثاني في السلم الكبير الموازي لسلم الموضوع الأول، مثلا لو كان السلم الأساسي هو ري صغير، يكون سلم الموضوع الثاني ري كبير.
الكودا Coda:
بعد الانتهاء من قسم إعادة العرض على الأغلب يتبع ذلك جزء آخر يسمى كودا أو الذيل Coda، ممكن أن تكون الكودا مبنية على نفس ما جاء في الأقسام السابقة وممكن أن تبنى على مادة لحنية جديدة. وظيفة الكودا هي أن تجعل النهاية سلسة ولا يحس السامع بأن القفلة أتت مبتورة أو مقطوعة، أي أنها تساعد في أن تصبح القفلة مريحة وتأتي بسلاسة ومستقرة ولا تفاجئ المستمع.

بعد الانتهاء من القسمين الأخيرين أي قسم التفاعل وقسم إعادة العرض، أحياناً يوجد مرجع يعيد الموسيقى من قسم التفاعل وإلى النهاية. لكن حتى لو كان ذلك موجوداً فعلى الأغلب يتم تجاهله، أي لا تتم إعادته. النظرية في ذلك هي أن الناس في وقتنا هذا والذي هو وقت السرعة، ليس لديهم الصبر على سماع هذا أو هذين الجزئين مرة أخرى كما كان ذلك متعارفا عليه في العصور القديمة، حيث كان هناك المزيد من الوقت، لا تلفزيون، لا سينما لا إنترنيت.

هناك الكثير من الشواذ عن القواعد التي تم ذكرها مثلا ممكن أن تبدأ مجموعة الموضوع الأول بلحن غنائي أو انثوي وتكون مجموعة الموضوع الثاني مبنية على ألحان إيقاعية الطابع، وهناك شواذ كثيرة في اخيتار سلم الموضوع الثاني. وتوجد أعمال يكون فيها الموضوع الأول هو نفسه الموضوع الثاني، أي لا يوجد موضوع ثاني، مثال ذلك الحركة الأولى السريعة في سيمفونية هايدن رقم 104، والحركة الأولى من سيمفونية موتسارت رقم 35 (هافنر)، في مثل هذه الحالة يسمى (أحادي الموضوع). وغير ذلك من الشواذ.
مع تحيات/ أحمد الجوادي

الثلاثاء، 17 سبتمبر، 2013

وداعا رتيبة الحفني أول رئيسة لدار الأوبرا المصرية

رحلت عن عالمنا، مساء الاثنين 16 سبتمبر الدكتورة رتيبة الحفني، أول امرأة تتولى رئاسة دار الأوبرا المصرية، عن عمر يناهز 82 عاماً، بعد رحلة طويلة مع الموسيقى العربية.
كانت الفنانة الراحلة مغنية أوبرا، وعازفة بيانو، ونشأت في أسرة فنية موسيقية. فوالدها الفنان الدكتور محمود الحفني، وهو مؤلف نحو خمسين مؤلفاً في مختلف الفنون الموسيقية، من تاريخ ونظريات وتراجم لكبار الموسيقيين، وصاحب جهد كبير في تدريس الموسيقى بالمدارس المصرية. وهو ينحدر من أسرة دينية، كان والده من العلماء، وجده شيخاً للجامع الأزهر.
شاركت رتيبة الحفني في عروض أوبرالية عديدة منها "الأرملة الطروب"، وأوبرا "عايدة". وتولت رئاسة دار الأوبرا عام 1988 حتى 1990 كما تولت رئاسة مهرجان الموسيقى العربية، وعمادة معهد الموسيقى العربية، وعينت مستشاراً فنياً لدار الأوبرا. ويذكر لها المشاهدون برنامج "الموسيقى العربية" الشهير والذي استمر لسنوات طويلة بالتليفزيون المصري، قدمت من خلاله مئات الأعمال الفنية الجميلة من تراث الموسيقى العربي. كما أن لها كتابا أصدرته عن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب تناولت فيه أعماله بالتفصيل والتأريخ.

نالت رتيبة الحفني جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2004 وكان لها حضور قوي بعد ذلك خاصة في إعداد مهرجانات الموسيقى العربية، وكانت صاحبة الرؤية التي أدخلت الأجيال الجديدة من الفنانين إلى المهرجانات وكذلك ضرورة استضافة الفنانين العرب للمشاركة فيها. 
كان لي ذكريات لا تنسى مع الدكتورة رتيبة الحفني، فقد كانت رئيسة لجنة مسابقة فنية في الإسكندرية، واختبرتني بنفسها، وطال الاختبار أكثر من المعتاد. وفي الحقيقة لم يكن الأمر صعبا، لكني فوجئت باسمي يتردد خلف الكواليس فتملكني الترقب، حتى ظهرت النتيجة بمنح المتسابق أسامة عفيفي ترتيب الأول، بينما كانت المسابقات تكتفي عادة بإعلان أسماء الفائزين دون ترتيب. والآن وداعا دكتورة رتيبة وتقبلك الله في رحمته وجنته .. فقد كنت حقا رمزا من رموز الزمن الجميل

الاثنين، 16 سبتمبر، 2013

سيد درويش .. تسعون عاما على رحيل فنان الشعب

سيد درويش 1892 - 1923
فن سيد درويش جزء من تراث أمة تعتز بمبدعيها كما تعتز بأصالتها، وهو جزء من كفاح شعب متصل من أجل آمال تحققت وآمال لم تتحقق بعد.
وهو يختلف عن غيره من الفنانين الذين استمرت أعمالهم بعد وفاتهم، إذ أن موسيقاه قد ظهرت ثانية بعد فترة طويلة من التواري زادت على ثلاثين عاما أعقبت وفاته المفاجئة عام 1923. وعودتها بقوة بعد هذا الانقطاع الطويل لتنتشر فى أجيال لم تعاصر سيد درويش ولم تسمع أعماله قط يثير التعجب ويدعو التأمل
ولد سيد درويش مرتين ، الأولى هى ولادته الجسدية لأمه وأبيه فى الإسكندرية عام 1892، والثانية هي ولادته الفنية لوطنه وأمته فى بالقاهرة عام 1917
فى أسرة بسيطة فى أحد أحياء الإسكندرية العريقة ولد الطفل سيد درويش، في حي كوم الدكة الغريب فى كل شيء، فهو على ربوة عالية فى وسط المدينة تطل على أحياء الوسط الراقي بينما تفصله عن ذلك الوسط حواجز اجتماعية واضحة، ليس به مدرسة، فقط كتاب صغير لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم بسيط، بينما فى الخارج مدارس أجنبية ومسارح وشركات وجمعيات خيرية دولية نشطة، وبدا الحي كما لو كان قرية فى وسط المدينة
انتمى سيد درويش مباشرة إلى الاثنين معا، حيه الشعبي، ومدينته التى جمعت ثقافة أوربا كلها في ذلك الوقت، وهكذا جاء فنه أيضا، أصيلا شعبيا لكنه التف فى ثوب حضاري متقدم للغاية.
لم ينشأ سيد درويش فى أسرة فنية ولم يجد أحدا يشجعه على السير فى اتجاه الفن، بل على العكس لقى العنت والتعنيف والإكراه على عمل أشياء لم يجد فيها إحساسه بذاته، وفى ظل ظروف معيشية غاية فى القسوة كان الفن بالنسبة لمثله ترفا لا يمكن لمسه، وكان عليه أن يشق طريقه بنفسه وحيدا.
فى عام 1914 بدأ يبدع ألحانه الخاصة فقدم أول أدواره يا فؤادي، كما ظهرت أغانيه القصيرة السريعة إلى الوجود وغناها بنفسه كما غناها غيره من المطربين، وبدأ نجمه يعلو فى المدينة حتى سمع عنه الشيخ سلامة حجازى وقرر أن يذهب لسماعه بنفسه. وما أن سمعه الشيخ الكبير حتى عرض عليه العمل بفرقته بالقاهرة فقبل الشيخ سيد
بدأ الشيخ الصغير يغنى بين الفصول على مسرح سلامة حجازي، لكنه تلقى استقبالا فاترا من الجمهور الذى تعود صوت الشيخ الشهير وأصيب الشيخ سلامة نفسه بصدمة جعلته يخرج إلى الجمهور ليقدم سيد درويش قائلا ” هذا الفنان هو عبقري المستقبل“ لكن الشيخ سيد أصيب بإحباط كبير جعله يقفل عائدا إلى مدينته فى اليوم التالي.

فى عام 1917 عاد الشيخ سلامة ليكرر نصيحته للشيخ سيد بالذهاب إلى القاهرة ولكنه هذه المرة عرض عليه عرضا آخر أقوى، فكان الشيخ سلامة مقتنعا تماما بموهبة الشيخ سيد، ولذلك طلب منه التلحين ولفرقة جورج أبيض ولرواية كاملة هى فيــروز شاه.
كانت فيروز شاه تجربة خاصة من جورج أبيض الذى اعتاد المسرح الجاد وقرر أن يخفف شيئا من مادته فى هذا العرض كي يجتذب جمهورا أكبر مثل ذلك الذي يرتاد المسرح الكوميدي، ولم تنجح تجربته لكن الجمهور جذبه شيء جديد هو ألحان سيد درويش، لقد تركت انطباعا بأن تيارا فنيا جديدا أتى وأنه أقوى من أن يعرض مرة واحدة.
لم يكن جمهور تلك الليلة فقط هو المتأثر ولكن تناثرت الأخبار إلى الفرق الأخرى المنافسة التى عزمت على استثمار الحدث لصالحها فتسابقت لاكتساب سيد درويش إلى جانبها وأغدقت عليه لاجتذابه. وخلال أشهر أصبح سيد درويش يلحن لجميع الفرق المسرحية بالقاهرة، وكان عطاؤه غزيرا حتى قيل عنه أن باستطاعته تلحين خمس روايات في شهر واحد.
فى عام 1919 اندلعت الثورة الشعبية بقيادة سعد زغلول وكان للشيخ سيد فضل تغذيتها بالأناشيد الوطنية والأغاني التى تعرضت لكل ما هو وطني، وفى طريق الثورة على القصر الفاسد والاحتلال الأجنبي قدمت روايات محلية احتوت على كثير من الرمز ضد الاستبداد وأعلت كثيرا من شأن القيم والرموز الوطنية والشعبية. وحقيقة قام المسرح بدور كبير فى هذا الاتجاه وكانت ألحان سيد درويش هى السبب فى نجاح هذه المسارح والفرق بانتشارها العارم بين الناس وبسرعة فائقة
موسيقى سيد درويش
كان سيد درويش يستلهم ألحانه من الألحان الشعبية البسيطة التى يرددها الناس فى مناسبات مختلفة، وكان يستمع إلى كافة طوائف الشعب من باعة وشيالين ومراكبية وسقايين وفلاحين وعمال وغيرهم. وكان له القدرة على تحويل تلك النغمات البسيطة إلى ألحان ذكية يستطيع كل الناس ترديدها فى سهولة.
يحكى عنه صديقه الكاتب بديع خيري أنه كان يصطحبه إلى حي بولاق بالقاهرة ليستمع إلى "بائع عجوة" ينادى فى نغمات جميلة مرددا "على مال مكة .. على مال جدة .. مال المدينة يا شغل الحجاز"، وظهرت تلك النغمات فى لحنه الشهير "مليحة قوى القلل القناوى".
استطاع سيد درويش التعبير عن هموم وطنه وآماله فى أصدق صورة، باللحن والكلمة. ومن أهم أسباب انتشار موسيقى وألحان سيد درويش أنها بسيطة وسهلة مع عمق نغماتها وتأثيرها القوي فى النفوس. ولم تكن ألحانه تحتاج إلى أصوات محترفة لترددها، وقد كانت الأغاني السائدة فى ذلك الوقت من أصول تركية غير معبرة عن البيئة والمزاج المصري، ومليئة بالتراكيب المعقدة والزخارف اللحنية وهو ما كان معروفا بموسيقى "الصالونات" يسمعها فقط خاصة العائلات والطبقة الأرستقراطية من الأتراك وخاصتهم، كما أن موضوعاتها اقتصرت على الحب والغرام والهجر والفراق. لكن سيد درويش استطاع أن يجعل الغناء للجميع، وأحس المصريون لأول مرة فى العصر الحديث بأن لهم موسيقاهم المعبرة عنهم وعن جذورهم ومشاعرهم.

وعمل سيد درويش كثيرا على إيقاظ الروح الوطنية بين المصريين بألحانه وبما يختار لها من كلمات معبرة، بعضها من نظمه هو، والبعض الآخر من تأليف الشعراء الوطنيين. وكان أحيانا يعجب بكلمات منشورة فى إحدى الصحف فيقوم بتلحينها على الفور دون معرفة مسبقة بمؤلفها، ومنها لحن " قوم يا مصري" لبديع خيري، فقد كان الشعور الوطني يوحد بين الكتاب والفنانين فى وقت ساد فيه الاحتلال وفسدت السلطة، ولم يتقاض أجرا عن تلحينه لأعظم ألحانه الوطنية.
آثــار مدرسة سيد درويش فى الموسيقى
يقول الموسيقيون فى مصر ، كبارهم وصغارهم" كلنا خرجنا من عباءة سيد درويش". وهم يعترفون بذلك لأنه كان المجدد الأول فى العصر الحديث، ولأن التطور الذى أحدثه كيفا وكما كان كفيلا بمد من جاءوا بعده من الفنانين بمدد لم ينفد بعد وقد مضت تسعون سنة على وفاته، وتكفى هذه الشهادة لإثبات مدى أصالة عن هذا الفنان. وكانت الموسيقى قبله من عزف وغناء وتأليف وتلحين لمئات السنين تهتم بالقوالب الشكلية والزخرفة بصرف النظر عن الجوهر والمضمون، واتفق فى ذلك الفن التركي مع بقايا الفن الأندلسي من الموشحات وانفصال كلاهما بالتالي عن واقع الحياة والناس ، وقد توجه سيد درويش بالموسيقى نحو الأصول الشعبية والتحديث فى آن واحد.
وألحان سيد درويش ملء الأسماع حتى اليوم، ولحسن الحظ هي موجودة ومتداولة بقوة في مواقع كثيرة الآن على الإنترنت، وكنا عند إنشاء كلاسيكيات الموسيقى العربية قبل تسع سنوات قلقين من احتمال تواري فن سيد درويش مرة أخرى، ولذلك اهتممنا بإعادة تقديمه خاصة للشباب المتطلع إلى الأصالة والباحث عن الهوية. وسنكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى أعماله، كما نشير إلى مراجع صفحات كلاسيكيات الموسيقى العربية التي خصصت كثيرا من الحديث عن الفنان الخالد، والذي نتمنى للأمة العربية أن تنجب مثله مرة أخرى، وما أحوجنا لذلك.

حقق سيد درويش كل هذا التطور في فنون الموسيقى العربية في ست سنوات فقط هي كل عمره الفني، من 1917 حتى 1923، ورحل الفنان الكبير عن الدنيا في عز الشباب في 15 سبتمبر 1923 عن 31 عاما لا غير، وهو ما يشير إلى عبقرية نادرة أضاءت الطريق لكل الفنانين بعده، ونفذت إلى أسماع وقلوب الناس عبر أكثر من تسعين عاما.
للمزيد:
سيد درويش 1892 - 1923

السبت، 14 سبتمبر، 2013

بليغ حمدي .. في ذكراه العشرين

حلت في 12 سبتمبر الذكرى العشرون لرحيل الفنان بليغ حمدي، أحد كبار الملحنين في القرن العشرين، والذي ترك ثروة من الألحان تقدر بنحو 1500 لحن منها عشرة ألحان لسيدة الغناء العربي أم كلثوم، مازالت في وجدان المستمع العربي حتى الآن.
بدأ بليغ التلحين لأم كلثوم وهو لم يزل تحت الثلاثين من العمر بأغنية "حب إيه" عام 1960، من كلمات عبد الوهاب محمد ، وختم ألحانه لها بأغنية "حكم علينا الهوى عام 1973 لنفس المؤلف، وهي آخر ما غنته أم كلثوم.

كون بليغ مع عبد الحليم حافظ ثنائيا خاصا في السبعينات حيث لحن له سلسلة شهيرة من الأغنيات الطويلة، أهمها موعود، حاول تفتكرني، أي دمعة حزن لا. لكن تجربته مع عبد الحليم بدأت مبكرا عام 1957 في أول لحن له لعبد الحليم حافظ في أغنية تخونوه من كلمات إسماعيل الحبروك، حيث قدم بليغ نفسه كملحن ينتمي إلى جيل شباب الملحنين كمال الطويل، محمد الموجي ومحمد فوزي، بالتالى كانت ألحانه فى الخمسينات تحمل بصمات تلك الفترة والتى كان من أهم خصائصها الابتعاد عن الطرب بأسلوبه القديم.

ثم كان له مع عبد الحليم تجربة أخرى وسطى في الأغنيات القصيرة في الستينات نالت شهرة واسعة مثل التوبة، سواح، على حسب وداد، حيث استخدم فيها بليغ تيمات من الفولكلور الشعبي ساهمت كثيرا في نجاحها. وكان بليغ في ذلك الوقت قد بدأ رحلة للبحث عن منابع الفولكلور، وانتهى إلى استخدامه وإعادة تقديمه بشكل عصري، وبأفضل الأصوات مثل عبد الحليم وشادية ومحمد رشدي ومحمد العزبي. وساعده في إعادة صياغة الفولكور باقة من مؤلفي الأغاني المبدعين خاصة عبد الرحمن الأبنودي، ومحمد حمزة.
عام 1967، عام النكسة، اشترك بليغ حمدي في صنع الأغنية التاريخية "عدى النهار" من كلمات عبد الرحمن الأبنودي وبصوت عبد الحليم حافظ، وهي أغنية حزينة تعبر عن صدمة الهزيمة بكلمات موجعة.
لكنه في نفس العام انطلق مع أم كلثوم في بداية موجة تحديث جامحة لألحانه هو شخصيا لها. بأغنية "فات الميعاد" ترك بليغ الجو "السنباطي" التقليدي إلى الجو "الوهابي" الحديث. واستطاع المحافظة على ذلك الجو بل دخل في منافسة قوية مع عبد الوهاب والسنباطي في التلحين لأم كلثوم في أواخر الستينات وأوائل السبعينات وهو ما أكسبه شهرة لإضافية واسعة مكنته من تلحين مئات الأغاني لعشرات المطربين بعدها. ومن الأصوات الشهيرة أيضا التي لحن لها بليغ حمدي نجاة الصغيرة ووردة الجزائرية وعفاف راضي

ولد بليغ عبد الحميد حمدي مرسي في حي شبرا بالقاهرة في 7 أكتوبر 1934 وكان والده يعمل أستاذا للفيزياء في جامعة القاهرة. تخرج من معهد الموسيقى العربية، وتم اعتماده بالإذاعة بعد تخرجه كمطرب ثم كملحن للمطربة فايدة كامل ومن وقتها تفرغ للتلحين وترك الغناء. وتوفى بليغ في 12 سبتمبر 1993، عن عمر يناهز 62 عاما 
للمزيد: بليغ حمدي 1934 - 1993 
موسيقى فات الميعاد - تحليل موسيقي

الأربعاء، 11 سبتمبر، 2013

ذكرى رحيل أمير النغم رياض السنباطي ..

رياض السنباطي أحد الخمسة الكبار في تاريخ الموسيقى العربية ومن الرواد المؤسسين لها في العصر الحديث. ورياض الملحن والموسيقار صاحب رصيد ثمين من الألحان، وله أكثر من 500 لحن في عديد من الأشكال أهمها الأغنية، خاصة القصيدة. وإذا ذكر تلحين القصيدة ذكر رياض والعكس صحيح. كما أن له رصيد كبير في التلحين للسينما. خاض رياض السنباطي تجربة التمثيل مرة واحدة في حياته في فيلم "حبيب قلبي" أمام هدى سلطان، لكنه لم يكررها وتفرغ بعدها تماما للتلحين.

لرياض أيضا عديد من المؤلفات في الموسيقى البحت أشهاها "لونجا رياض" التي قلما لا يمر بها دارس أو هاو. ولحن السنباطي كلمات عشرات الشعرات لكن أشهر وأكثر من تعامل معهم كان أحمد شوقي أمير الشعراء صاحب قصائد أم كلثوم الكبرى، والشاعر أحمد رامي مؤلف معظم أغنيات أم كلثوم الرومانسية.
ولغير أم كلثوم لحن رياض لأصوات شهيرة في عالم الغناء مثل منيرة المهدية، فتحية أحمد، صالح عبد الحي، محمد عبد المطلب، عبد الغني السيد، سعاد محمد، هدى سلطان، فايزة أحمد، وردة، ونجاة
شمس الأصيل - أم كلثوم رياض السنباطي - بيرم التونسي
وتنم أعمال السنباطي الوطنية عن حبه الشديد للوطن وحماسه الواضح لثورة يوليو وألهمت ألحانه الوطنية، ولا تزال، الشعب المصري والعربي في طريق نضاله الطويل من أجل الحرية والاستقلال. ومن أجمل ألحانه "مصر التي في خاطري" لأحمد رامي ، و"مصر تتحدث عن نفسها" لحافظ إبراهيم و"طوف وشوف" و"حبنا الكبير" لعبد الفتاح مصطفى، و"ثــوار" لصلاح جاهين و"حق بلادك" لعبد الوهاب محمد.

ولد رياض السنباطي عام 1906 ونشأ، عكس معظم فناني العصر، في وسط موسيقي وكان والده مقرئا ومنشدا في الموالد والأعياد. وانتبه والده إلى موهبته عندما لاحظ غناءه لألحان سيد درويش، فقرر اصطحابه معه للغناء في المناسبات، في مدينة المنصورة، وتعليمه قواعد الموسيقى.
عام 1928 انتقل السنباطي إلى القاهرة مع والده حيث أتيحت له الفرصة لاحقا مقابلة أم كلثوم وهي أيضا بنت المنصورة. في ذلك العام تقدم للالتحاق بمعهد الموسيقى العربية، حيث تعرف بالأستاذ القصبجي ثم عين بالمعهد أستاذا لآلة العود والأداء. وقد تأثر السنباطي في كثير من ألحانه بالقصبجي وانتمى إليه في مدرسة العود.
في مطلع الثلاثينيات قرر السنباطي التوجه للتلحين، وقدمته شركة أوديون قدمته كملحن حيث غنى له كبار المطربين وقتها مثل عبد الغني السيد، ورجاء عبده، ونجاة علي، وصالح عبد الحي.

عام 1935 جاءت الفرصة الأكبر في حياة السنباطي بلقائه بأم كلثوم التي سطع نجمها، وسار معها رحلة طويلة من الفن الراقي بدأت بأغنية "على بلد المحبوب وديني" بنجاح كبير، وبذلك انضم السنباطي إلى كبار ملحني العصر مثل القصبجي وزكريا أحمد. قدم السنباطي لأم كلثوم حوالي 90 لحنا وهو بذلك صاحب أطول قائمة من ألحان أم كلثوم. وتميز السنباطي في تلحين القصيدة العربية تميزا كبيرا جعله يستحق لقب "ملك القصائد".

توالت ألحان السنباطي لأم كلثوم وانتقلا معا من نجاح إلى نجاح، وتعتبر ألحانه لها من كلاسيكيات الموسيقى العربية، خاصة قصائد شوقي، ولد الهدى، ونهج البردة، وسلوا قلبي، ولأحمد رامي "رباعيات الخيام" التي ترجمها عن الفارسية، بينما وصل إلى قمة ألحانه في القصيدة العاطفية في لحن "الأطلال" للشاعر إبراهيم ناجي. أما في شعر العامية فيذكر له سلسلة طويلة من أشعار رامي العاطفية، وألحان لأمير شعراء العامية بيرم التونسي منها الأغنية الساحرة "شمس الأصيل" و"القلب يعشق كل جميل".

ويذكر للسنباطي محافظته على المدرسة الشرقية الأصيلة في التلحين دون تجريب أو تغريب. لكنه دخل قطار المنافسة في التحديث خاصة موسيقى المقدمات، الذي قاده محمد عبد الوهاب بأغنية "إنت عمري" عام 1964، ونجح السنباطي في مهرجان تحديث ألحان أم كلثوم أيضا بدءا بقصيدة "أقبل لليل" عام 1969، ولحق بعبد الوهاب وبليغ حمدي كان قد تحول أيضا من المدرسة التقليدية إلى المدرسة الحديثة في التلحين لأم كلثوم بأغنية فات الميعاد عام 1967

نال رياض السنباطي عدة أوسمة وجوائز، منها وسام الفنون من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى من الرئيس محمد أنور السادات، وجائزة المجلس الدولي للموسيقى في باريس، وظل يعمل بإخلاص شديد لترقية الفن حتى رحل عن عالمنا في 10 سبتمبر 1981. 

الأحد، 8 سبتمبر، 2013

20. الموسيقى المعاصرة - تحديث الفن وفن التحديث - الرحبانية

فن الرحبانية
عمل الأخوان عاصي ومنصور رحباني مع المطربة فيروز فى صمت لسنوات اجتهد الثلاثي خلالها من أجل تقديم فن جيد يراعى الذوق العربي من ناحية ويأخذ بشكل أو بآخر بأساليب الموسيقى الغربية
ولو أنها اتخذت شكلا عصريا، كانت النتيجة تجمع كم كبير من الأغنيات الفردية لفيروز، وهى تصنف كذلك حتى وإن تم تقديم بعضها من خلال عمل مسرحي، فاللحن المسرحي في الأصل يجب ألا يرتبط بمطرب معين

خصائص فن الرحبانية
1- الارتباط بالتراث الغنائي الشرقي
2- المزج بين موسيقى الشرق والغرب
3- الاهتمام بالأداء الموسيقي والتقني
4- إدخال التوزيع الموسيقي كلما أمكن
5- استخدام الأوركسترا الكامل كلما أمكن
6- الاهتمام بالكلمة كأساس للحن
7- استخدام اللهجة اللبنانية المحلية
8- استخدام الفولكلور المحلى اللبنانى 

ويجدر أن نشير هنا إلى الفرق بين "تحديث الفن" و"فن التحديث"، والقصد أن عملية "التحديث" نفسها تستلزم أن تكون فنا بحد ذاته. ومعنى هذا أن مجرد إضافة أي شيء جديد لا يعتبر تحديثا حقيقيا إلا إذا مر بمرحلة "التجريب" أولا، والمحك بعد ذلك عند الجمهور والزمن.
الواقع أن الرحبانية قدموا كثيرا من عناصر التحديث في الموسيقى العربية، منها ما أشرنا إليه في العناصر السابقة، وهي الاهتمام بدقة الأداء والتوزيع والأوركسترا. فإذا نظرنا للأداء نجد أن الدقة سمة مميزة لمعظم أعمال الأخوين، وكما يقال مجازا فهي يمكن أن تقاس "بالمسطرة".
فيروز - وينن
التوزيع أيضا كان عنصرا فعالا أضاف واجهة مميزة لكثير من الأعمال، إلا أن ذلك لم يشمل كل شيء، حيث أن الألحان الشرقية ذات المقامات التي تستخدم "ربع التون" لم تدخل في الأعمال الموزعة. وهذا لا يخص الأخوين رحباني فقط وإنما هو ناتج أساسا عن عدم وضع قواعد علمية للتوزيع الهارموني للمقامات الشرقية حتى الآن.

يمكن أن يضاف عنصر استخدام الأوركسترا الكامل إلى باب "الأداء" لكن هناك بعض الاختلاف. فالدقة يمكن أن تظهر في أعمال فنية لا تستخدم الأوركسترا بتاتا، أي يمكن إظهارها في أداء التخت الشرقي أو حتى عند أداء أعمال موسيقية لآلة واحدة. 
لكن يدخل في الأداء الإشراف الجيد على الأوركسترا واختيار العازفين المهرة، وكذلك توظيف الآلات لخدمة التعبير دون اعتبار أهمية زائفة لعدد الآلات، واستخدام التقنيات الحديثة في تسجيل الألحان.
واستخدام الأوركسترا يفيد أكثر في حال وجود التوزيع الهارموني، بينما قد يتضخم حجم الأوركسترا دون فائدة كبيرة في الألحان غير الموزعة.
أجاد الأخوان رحباني استخدام تلك العناصر كلما سنحت الفرصة، أي بما يسمح به العمل من الناحية المقامية، أو من ناحية كونه لحنا مسرحيا يشترك في تقديمه مجموعات كبيرة من الأصوات.
ونود الإشارة هنا إلى إدخال الرحبانية لألحان غربية "كما هي" على الألحان الشرقية القابلة للتوزيع، مثلما حدث في لحن "أنا يا أنا" الذي تخلل لحن السيمفونية الأربعين لموتسارت، وألحان أخرى. على أن هذه التجربة، كما أشرنا من قبل في نقد فن الرحبانية، لا تدخل في باب التحديث، إذ أن التحديث يجب أن يستخدم العناصر الفنية دون الألحان نفسها
وبمناسبة الحديث عن الأوركسترا، من المناسب أيضا ذكر الاستخدام الجيد لبعض الآلات غير التقليدية في الموسيقى الشرقية مثل الأبوا والبيانو مما أضفى أجواء خاصة على الموسيقى الرحبانية.
يبدو معظم الحديث هنا منصبا على فن الرحبانية وكأن عملية تحديث الفن قد ارتبطت بهما وحدهما، والمقصود أنه قد حدثت عملية تحديث نسبي في تلك الفترة من الزمان، السبعينات على التحديد، نسبة إلى ما كان سائدا وقتها. ولكن تحديث الموسيقى العربية "في المطلق" فقد بدأ في الحقيقة قبل ذلك بكثير على يد سيد درويش د.أسامة عفيفي، وللحديث بقية في هذه الحلقات عن "خصائص الموسيقى العربية المعاصرة".