كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

لماذا يظل فن سيد درويش رائدا رغم الزمن؟ الذكرى 91 لرحيله

تحل هذا الشهر الذكرى 91 لرحيل الفنان خالد الذكر سيد درويش في 15 سبتمبر 1923، وسنعرض بهذه المناسبة بعضا من أوجه الإجابة على السؤال الكبير .. لماذا يظل فن سيد درويش رائدا رغم الزمن؟
نحن الآن في عام 2014، وربما لو ذكر أحد هذا التاريخ أمام سيد درويش في حياته لقال على الفور "يا ترى من يعيش .."، وربما لم يكن ليتخيل أن فنه الذي كان في بداياته حينئذ، سيكبر ثم يحيا مائة عام بعد رحيله.
لنعد مائة عام للوراء إلى عام 1914 ولنحاول رصد ما كان يدور بذهن الفنان الخالد في ذلك الوقت وكيف كانت تسير معه الأمور.
فى عام 1914 عاد سيد درويش للعمل بمقاهي الإسكندرية بعد رحلتين إلى الشام لم يجمع فيهما مالا كما وعده صاحبا فرقة أمين وسليم عطا الله التي سافر معها مرتين. كانت الرحلة الأولى عام 1909 عندما سمعا غناءه مصادفة، حيث كان صاحب العمل قد وفر عليه عناء العمل الشاق وطلب منه الاكتفاء بالغناء للتسرية عن العمال مقابل نفس الأجر، واعتقد سيد درويش أن عرض الفرقة الشامية هو المنفذ الذي سيمكنه من تأمين حاجته للمال وفي نفس الوقت يقربه من الفن الذي وقع في هواه. كان عمره حينئذ 17 عاما، امتدت الرحلة عشرة أشهر لم يوفق فيها ماديا لكنه جمع تراثا موسيقيا قيما خاصة بعد لقائه بالموسيقى المخضرم عثمان الموصلي. في عام 1912 التقى سيد درويش بعثمان الموصلي مرة أخرى في الرحلة الثانية مع نفس الفرقة، وأكمل في تلك الرحلة ما كان يتوق إلى جمعه.

عاد سيد درويش إلى مصر وجيوبه خالية، لكن حصل على ثروة أخرى من فنون التراث الشرقي استوعبها في ذاكرته، وجعلته يتمكن من أدوات فنه بطريقة أشمل وأعم. كانت بلاد الشام ملاذا لما تبقى من فنون الأندلس بعد سقوطها عام 1492. وقد لجأ الأندلسيون إلى المغرب ثم إلى الشام ومصر وجلبوا معهم ما أمكن من فنون الأندلس التي كانت محطة قوية في تاريخ الموسيقى العربية، حتى أن فنون عصر النهضة في أوربا قد استوحت معالمها الأولى من فلسفة التراث الأندلسي، ثم جرى تطويرها بشكل علمي إلى الفنون الموسيقية الكلاسيكية لاحقا، لكن الألحان أو "الميلودي" كانت هي روح الموسيقى الأوربية حتى بداية العصر الحديث في القرن العشرين، والقيمة اللحنية هي الصفة السائدة للموسيقى العربية بل هي جوهرها وروحها، ليس في تلك الفترة فقط بل على طول تاريخها وحتى الآن.

ظلت تلك الثروة في أيد أمينة في الشام تتوارثها أجيال في زمن الدولة العثمانية التي فرضت فنونها وأساليبها على المنطقة العربية زهاء أربعة قرون من الاحتلال التركي الذي بدأ عام 1517 وإلى أوائل القرن العشرين، إلى أن فندها وطورها سيد درويش وجاهد بها في مواجهة الفن التركي، وليمزج بين تلك الفنون وبين عناصر أخرى رسمت له معا طريق التطور. مزج سيد درويش في فنه فن الأندلس بالفن الشعبي بالفن الأوربي، وربط كل هذا بخيط واحد جديد أجاد صناعته هو التعبير، فقد رأى سيد درويش أن اللحن لا بد أن يعبر عن الكلمة بصفة أساسية، لكنه أراد أيضا أن يصنع موسيقى يخرج بها من الفن المحلي إلى موسيقى تخاطب العالم بأكمله باختلاف لغاته وثقافاته. نعم كانت طموحاته في الفن كبيرة، لكنها لم تكن كبيرة عليه. 

بدأ سيد درويش لدى عودته للإسكندرية يبدع ألحانه الخاصة، فقدم أول أدواره "يا فؤادي" عام 1914، وعمره 22 عاما، كما ظهرت أغانيه القصيرة السريعة إلى الوجود وغناها بنفسه كما غناها غيره من المطربين، وبدأ نجمه يعلو في المدينة حتى سمع عنه الشيخ سلامة حجازي وقرر أن يذهب لسماعه بنفسه، ثم دعاه للعمل في القاهرة
بلغ من تأثير نغم دور يا فؤادي، وغيره من ألحان سيد درويش، في محمد عبد الوهاب أن ظهرت مقاطع، كما هي، في ألحان عبد الوهاب، وبعد عشرات السنين. ومن لحن "يا فؤادي" كان مطلع أغنية "يا حبايب بالسلامة" الذي غناه عبد الحليم حافظ عام 1967، وهو نفس المطلع بدون تغيير.
مطلع يا فؤادي لحن سيد درويش
 + مطلع يا حبايب بالسلامة لحن عبد الوهاب 

وغير ذلك أمثلة كثيرة لكننا نشير هنا إلى مثل أشد غرابة، فالعام 1971 وقد مر على رحيل سيد درويش نحو نصف قرن وقد أصبح عبد الوهاب موسيقار الأجيال، ليظهر مقطع آخر من لحن سيد درويش "في شرع مين" قبل آهات الدور مباشرة، مقتبسا، كما هو أيضا، وفي صورة آهات في اللحنين، في لحن عبد الوهاب لأم كلثوم "أغدا ألقاك".
في شرع مين لحن سيد درويش
+ ختام أغدا ألقاك لحن عبد الوهاب



ونورد بهذه المناسبة في هذا المقال تسجيلا للمقطعين اللذين تحدثنا عنهما، وربما  نخصص لهذا الموضوع بابا خاصا بتفاصيل مثيرة يبحث عنها كثيرون حول آثار فن سيد درويش في فنون الفنانين اللاحقين.
محمد عبد الوهاب، ذلك العملاق الذي تربع على عرش الموسيقى والغناء لأجيال، ينهل هكذا من ألحان سيد درويش، وهذا ما يشير إلى درجة تأثره بالفنان الرائد والمعلم الموهوب، فما بالنا بالفنانين الأقل قدرة ومرتبة من عبد الوهاب، ثم كيف يكون حال الإنسان العادي الذي تلهم الموسيقى وجدانه وتحرك شعوره؟

هذا ما قصدت الإشارة إليه .. أن تأثير فن سيد درويش قد امتد في الزمن كما وصل لأعماق الشعور الإنساني في أفراد أمته، ومازال يمتلك نفس الدرجة من التأثير على الأجيال الجديدة التي لم تعاصر سيد درويش، لكنه يعاصرهم في كل زمن بحسه وإبداعه. رحم الله فنان الأمة ومبدعها الأول، والذي لولاه لكنا ما زلنا نغني بطريقة "يالاللي أمان" لحد الآن، ولما عبرنا من المدرسة الشكلية القديمة، إلى المدرسة التعبيرية الحديثة، ومن فنون الطرب والتسلية إلى فنون المعنى والتعبير، فقبل كل شيء .. سيد درويش هو أول من عبر عن الكلمة باللحن، وصار أسلوبه ليس فقط معيار الجمال في الفن .. بل معيار وجوده وجوهره.