كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الاثنين، 20 سبتمبر، 2010

العود العربي : أقانيم الثورة و الوتر ( الجزء الاول)

تمهيـــد
يعرف الفن العربي "العالِم" منذ مدة حركية كبيرة خصوصا في مجال الموسيقى، غير أن هذه الحركية تظل "خفية" وغير مرئية بالنسبة للمتلقي العربي، و السبب الأساس في ذلك عائد إلى انعدام المتابعة النقدية التي تعمل على إساخة السمع لهذه الحركية و دعمها نقدا وتحليلا، إما لغياب المتخصصين، أو لعدم رسوخ تقليد النقد الفني في ثقافتنا.
و إني إذ أقدم هذه الدراسة، فإني أسعى إلى المساهمة في خلق نقاش نظري حول تشخيص وتحليل طبيعة الحركية الفنية المذكورة. و غني عن البيان أن ما أقصده بالموسيقى هنا هو الموسيقى "العالِمة"، التي تخلق و تحول أسس و مناظير التمثل العميقة، وليس "الموسيقى" الاستهلاكية أو الفولكلورية.
من المعروف لدى العالمين بشؤون الموسيقى العربية أنها تتسم بخاصيتن اثنتين، أولهما أنها موسيقى لحنية في بنائها (mélodique) تعتمد الخط اللحني الواحد، و ليست موسيقى تناغمية harmonique)) تعتمد تعدد و تداخل الخطوط اللحنية، و ثانيهما أنها موسيقى غنائية، و معنى هذا الأمر أن النموذج و الشكل الأهم الذي تتمركز حوله هو الغناء، فلا فصل لدى الأذن العربية بين الموسيقى والغناء؛ و نحن نذكر هذا لتمييزها عن نمط الموسيقى الغربية التي لا يشكل فيها الغناء إلا جزءا ضئيلا إلى جانب أشكال أخرى كثيرة من التأليف.

يتضح هذا بشكل أكبر عندما نستقرئ تركيبة الكتابة الموسيقية، وعندما نستطلع المجال الفيزيائي والصوتي للآلات الموسيقية العربية و الغربية. فالآلة الموسيقية المركزية في الفن العربي التي هي العود، هي آلة لا تسمح للعازف إلا باستخراج صوت واحد في اللحظة الواحدة عن طريق النقر بالريشة، ونحن نذكر هذا لنقارنه بالآلة المركزية في الموسيقى الغربية (البيان) (piano) و التي تسمح، كما يعرف العازفون، باستخراج أصوات بعدد أصابع اليد (عشرة) في اللحظة الواحدة، و أحيانا أكثر كما في حالة العزف المزدوج.
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لآلة القانون التي قد يحتج البعض بها لدحض ما تقدم، إذ على الرغم من بنيتها المتعددة الصوت polyphonique، فإن تقليد العزف عليها أحادي اللحن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن أصبعين فقط هما اللذان يتم استغلالهما، و أن أحدهما يعزف و الأخر لا يعمل إلا على تقديم "الجواب" عن النوتة الأساس أو استخراج أرباع المقام، ولا يرقى أبدا، إلا في بعض الحالات الخاصة Julien Vaisse) -) الغربي الأصل و التكوين مثلا- إلى تكوين المسافات الهارمونية في العزف (tierce, quinte….).

وقد دفع الوعي بهذه الحدود التي تطبع الموسيقى العربية و آلاتها لدى الموسيقيين والمؤلفين العرب الجدد - تمييزا لهم عن الموسقيين العرب الكلاسيكيين- رغبة في التجاوز، و بالتالي رغبة في الخروج عن بنية السلم العربي اللحنية أولا، و صيغة التعبير الموسيقي الغنائي ثانيا.

في هذا السياق يمكننا نحن أن نحصي حركتين اثنتين جديرتين بالاهتمام، أولهما تجسدت في المجهود الذي بذله بعض العازفين و المؤلفين الكبار لتثوير طرائق و تقنيات ومساحات العزف على الآلات العربية التقليدية، وعلى آلة العود تحديدا (خصوصا المدرسة العراقية)، و ثانيهما تجسدت في محاولات بعض المؤلفين الموسيقيين لاصطناع أساليب أخرى في التأليف الموسيقي إلى جانب الغناء، كما تجسد ذلك في محاولات تأليف السمفونية و الكونشيرتو و الكورال الغنائي عند بعض الموسيقيين العرب، خصوصا في لبنان و مصر، و أحيانا سوريا و المغرب.
أخصص هذه الدراسة للحديث عن مدارس العود، و سأقصرها في المدارس المعروفة من طرف القارئ تحقيقا للتواصل المنشود، في حين سنؤجل الحديث عن التأليف الموسيقي "الهارموني" العربي إلى مناسبة أخرى.

يمكننا تقسيم مراحل تطور العود العربي المعاصر إلى مرحلتين اثنتين، أولهما تمتد من أواخر القرن التاسع عشر، إلى حدود ستينيات القرن العشرين (مع التركيز على الأربعينيات و الخمسينيات)، و ثانيهما تملأ العقود التالية على هذا التاريخ.

المرحلة الأولى يمكن أن نصفها بالمرحلة الكلاسيكية، و نقصد بوصف الكلاسيكية المرحلة التي تقعدت و تحددت فيها طرق البناء و العزف و التأليف، و التي ستصبح فيما بعد مداخل و أسس ضرورية للتعاطي مع العود عزفا و تدريسا و تأليفا، من مثل تحديد أساليب التأليف و قوالبها في السماعي و التقسيم و اللونغا و البشرف، و تحديد نموذج قار في دوزنة الأوتار. وقد هيمنت على هذه المرحلة المدرسة المصرية و التركية، و كان أهم الرواد فيها، علي رفعت غاتاي (1867 – 1935) و رفيق اليمان (1894 – 1947) وجميل الطنبوري، إضافة إلى مؤلفين أكثر شهرة من مثل محمد عبد الوهاب و رياض السنباطي و فريد الأطرش و محمد القصبجي.

أما المرحلة الثانية، فيمكن أن نسميها بالمرحلة التجريبية، سمتها الأساس هي محاولة "الثورة" على تقاليد العزف و التأليف – بل و صناعة الأعواد – كما تحددت في الفترة الكلاسيكية، و قد كان العامل الحاسم فيها هو ظهور جيل جديد متفتح على الموسيقى الغربية، و هو ما خلق لديه الوعي بضرورة تحقيق هذه الثورة مع الآلات، و ذلك عبر مسارين اثنين :
1 – تحرير الآلة من تبعيتها للمغني و من اعتبارها عنصر مصاحبة و تكميل فقط، و بالتالي محاولة التأسيس لتقليد العزف المنفرد.
2 – تحرير الآلة تقنيا من النظام اللحني (mélodique) و محاولة الولوج بها إلى النظام التناغمي (harmonique).

و إذا كانت المرحلة الأولى تركية مصرية أساسا؛ فإن المرحلة الثانية عراقية بامتياز، ابتدأت مع الأمير "الشريف محي الدين حيدر" – أو "طارغان" بالتسمية التركية- (1892- 1967)، و استمرت مع تلامذته العرب من مثل جميل بشير(1921 - 1977) وسلمان شكر(1921) و منير بشير(1930-1997) – الأخ الأصغر لجميل – و عاصم شلبي وسالم عبد الكريم و نصير شمة وغيرهم، و لو أن هذه المرحلة لم تشمل فقط العراقيين بل امتد تأثيرها إلى أماكن أخرى.

لا يمكن أن نفصل بالقطع بين مرحلتين الكلاسيكية (التركية، المصرية) و التجريبية (العراقية)، إذ إن الأب الروحي للمدرسة الثانية الأمير الشريف محي الدين حيدر (أحد أبناء الشريف الحسين)، درس و تعلم و عاش بتركيا، و ما كان ليستطيع التحرر المطلق من أثار المدرسة الكلاسيكية التركية، كما هو واضح في المسحة التي تميز تآليفه، إلا أن قيمة مدرسة العود العراقية تكمن في كونها استطاعت أن تخترق الأسس التي وضعتها المدرسة الكلاسيكية، و أن ترتقي بآلة العود إلى مستويات لم يكن من الممكن تصورها في إطار نظام العزف و التأليف الكلاسيكيين. فمن ناحية العزف، عملت المدرسة العراقية على إعادة النظر في البنية الفيزيائية لآلة العود، فحاولت ابتكار أعواد جديدة أوسع وأقدر، بالتعاون مع صناع كبار كان أبرزهم الأستاذ محمد فاضل، و ذلك بالإضافة إلى إعادة النظر في تقنية العزف نفسها، حيث غامر بعض العازفين بمحاولة العزف بالأصابع بدل الريشة، كما هو الشأن مع القيثارة الكلاسيكية و العود الوسطوي، و كذلك بإعادة النظر في نظام الدوزنة، لإقدار العود على تركيب التآلفات (accords).

من ناحية التأليف عمل الموسيقيون العراقيون، و فيما بعد الموسيقيون العرب الآخرون، على الاجتهاد في تكوين "ريسيتال" خاص بآلة العود، و في تأليف ثلاثيات و رباعيات و"كونشرتو" تجمع العود بالاوركسترا، و هو الأمر الذي كان يبدو بعيدا ابتداء، بالنظر إلى تباعد مرجعيات الموسيقى العربية و الغربية.
لا يمكن أن نتحدث بشكل مفصل عن كل التجارب المذكورة ، إذ إن كلا منها يحتاج بحثا خاصا، غير أننا نود أن نمثل لما تقدم بنموذجين اثنين، نموذجان يعتبران من أهم من انكب على تجديد آلة العود و الموسيقى العربية عموما، أولهما برع في تجديد "تقنيات العزف"، و ثانيهما اشتهر بتجديد أساليب التأليف، نقصد العازف العراقي "نصير شمة" والمؤلف اللبناني المجتهد "مارسيل خليفة".

التجريبية في العزف، "نصير شمة" نموذجا
أصدر نصير شمة ثمانية ضمائم موسيقية إلى حدود هذا اليوم، كان أولها هو "صامتا أعلن حبي" ثم أتبعها بأخرى أشهرها "عود من بغداد"، "إشراق"، "رحيل القمر"،"أحلام عتيقة" "ليالي بغداد"، "مقامات زرياب".
و يمكن عموما أن نحدد المرجعية الفنية لهذه الأعمال و لصاحبها - كما يصرح هو نفسه-في إطار مشروع تكملة و تجديد المشروع الذي افتتحه جميل بشير، و يتبدى هذا الأمر بوضوح في المسحة التعبيرية التي تحضر في كل أعماله، وهي المسحة التي طبعت عزف و تأليف جميل بشير.

و إذا كان لأعمال جميل بشير أثر في الاختيارات الفنية لشمة، فإننا نزعم أن لا أثر نجده عنده لشقيقه منير بشير، رغم أن شمة درس على يد منير و اشتغل معه طويلا، قبل أن يفترقا و يتباعدا لأسباب سياسية. و هذا أمر هو على الحقيقة، في نظرنا الخاص، عنصر قوة في أعمال شمة، فإن كان عزف بشير قائما على خاصية "الامتداد العفوي"، إذ كان منير بشير- كما يصرح هو نفسه- في أحيان كثيرة يؤلف في نفس الوقت الذي يعزف فيه فوق الخشبة؛ فإن عمل نصير شمة يتأسس على "الكتابة" و البناء القبلي، و لهذا نجد أن منير بشير يعزف التقاسيم، بل إن ثلاثة أرباع أعماله تقاسيم و محاولات مقامية، في حين أن التقاسيم لا تنال من أعمال نصير شمة إلا قدرا قليلا، فجل أعماله قطع مكتوبة بأسماء محددة و مقامات محددة و تحويلات في الأبعاد مضبوطة.
تتجسد قوة نصير شمة، من منظورنا، في خاصيتين اثنتين : أولهما معرفته العميقة بالمقامات العربية، و ثانيهما قدرته على التجديد و التنويع في أساليب وإمكانيات العزف. أما عن الخاصية الأولى، فقد كان من نتائجها النمذجة الجديدة التي حاول تقديمها لنظام المقامات، و كذا إضافته لمقامين جديدين إلى الموسيقى العربية، اخترعهما من عنده وأدخلهما على الموسيقى الشرقية، و لو أنهما عمليا لم يستغلا بعد، وهما مقام "القوت" (اسم مسقط رأسه بالعراق)، و "مقام الحكمة". أما عن الخاصية الثانية، فقد برزت في إضافته لوثر ثامن، و هي الإضافة التي استندت على تراث الفارابي و نظريته في علم اللحون؛ وكذا في محاولاته الجريئة في العزف بالأصابع بدل الريشة، و هي محاولة مهمّة رغم محدودية نتائجها، إذ فتحت آلة العود على أفق التعدد الصوتي (Polyphonie)، كما تجلى ذلك في قطعة "من بغداد إلى إشبيلية".

تزكت هذه "المغامرات" الجميلة لنصير بتكوينه لفرقة "عيون" لموسيقى الصالة بمدينة القاهرة التي يدرس و يقطن بها، و هي الفرقة التي تحاول أن تؤسس لتقليد موسيقى الصالة "Musique de chambre" مع ما يستتبعه ذلك من تجديدات، غير أن هذه التجربة لا تزال في بداياتها، و لم تتضح بعد كاملة حتى يتسنى الحكم عليها.
تبدو تجربة نصير شمة غنية، خصوصا إذا علمنا أنه ما يزال شابا بالمعيار الفني؛ غير أن هذه التجربة داخلتها في نظرنا بعض الهفوات، و قد كان أكبرها تجربة العزف بيد واحدة. أثارت هذه المحاولة كلاما كثيرا بين مستحسن لها "منبهر" بهذه القدرة التقنية الهائلة التي تمكن صاحبها من العزف بيد واحدة ما اعتاد الناس عزفه بيدين، و بين "متّهم" لها واصفا صاحبها بأنه سرقها عن غيره (سالم عبد الكريم)؛ .....و أيا تكون هذه المواقف، فإن ما نبغي أن نطرحه هو سؤال بعيد عن هذا السجال :
ما نوع و قيمة الإضافة التي حققتها هذه التجربة للموسيقى العربية و لأعمال شمة ؟
لا شيء اللهم أن تكون نوعا من "استعراض" القوة التقنية و البحث عن الفرجة والإبهار، و للأسف فإن بعض العازفين الآخرين نحوا نفس المنحى، و بدؤوا في محاولة العزف بيد واحدة، ثم بأصبعين، و أصبع واحد... و هذه أشياء تبقى من المنظور الفني العميق غير مفيدة، بل مجرد نزوع استعراضي تافه.

هناك خاصية أخرى تمثل في اعتقادنا واحدة من عوائق عمل شمة، وهي مركزيته العراقية، إذ نجد في أعماله حضورا واضحا للروح العراقية في العزف المتسمة بالشجن و النواحية، هذا حتى ولو أنه لا يستعمل المقامات العراقية الصرف كثيرا ( مقام لامي- مقام الحويزاوي- مقام حجاز كار...) و هذا أمر طبيعي و غير مستهجن بالقياس إلى المرجعيات الإنسانية و الفنية لصاحبها، غير أنه يبقى حدا و مانعا أمام شمّة كمؤلف، فالمرجعيات لا حد لها، والنموذج في ذلك يقدمه عازف آخؤ هو سعيد الشرايبي، الذي برع و امتاز بقدرته على تنويع وتجديد مشاربه و مصادره بين عربية صرف، وأندلسية و إفريقية وتركية.